فهرس الكتاب

الصفحة 351 من 764

وأما المقولة الثانية في حوار الكافر مع صاحبه المؤمن، فهو ما قاله عندما دخل جنته، وهو ظالم لنفسه ، قال تعالى:"ودخل جنته وهو ظالم لنفسه قال ما أظن أن تبيد هذه أبدا"وقد بين صاحب الكشاف سبب ظلمه لنفسه فقال:"وَهُوَ ظَالِمٌ لّنَفْسِهِ"وهو معجب بما أوتي، مفتخر به، كافر لنعمة ربه، معرّض بذلك نفسه لسخط الله ، وهو أفحش الظلم إخباره عن نفسه بالشك في بيدودة جنته، لطول أمله، واستيلاء الحرص عليه، وتمادي غفلته، واغتراره بالمهلة، وإطراحه النظر في عواقب أمثاله وترى أكثر الأغنياء من المسلمين وإن لم يطلقوا بنحو هذا ألسنتهم فإن ألسنة أحوالهم ناطقة به منادية عليه" (1) ."

وقد عبّر عن هذا المعنى أبو حيان فقال:"وَدَخَلَ جَنَّتَهُ يُري صاحبه ما هي عليه من البهجة والنضارة والحسن،"وَهُوَ ظَالِمٌ لّنَفْسِهِ"جملة حالية أي وهو كافر بنعمة ربه، مغتر بما ملكه، شاك في نفاد ما حوله، وفي البعث الذي حاوره فيه صاحبه، والظاهر أن الإشارة بقوله"هَذِهِ"إلى الجنة التي دخلها، وعنى بالأبد أبد حياته، وذلك لطول أمله، وتمادي غفلته، ولحسن قيامه عليها بما أوتي من المال والخدم، فهي باقية مدة حياته على حالها من الحسن والنضارة" (2) .

فهذا الكافر يعتقد أنه من المستحيل أن تباد جنته، ويستبعد وجود قوة مَّا تستطيع إبادتها وإزالتها ويبدو أن هذا الموقف جاء ردًا على قول صاحبه المؤمن، عندما حذَّره من زوالها، وأرشده إلى أسباب بقائها بقوله:"ولولا إذ دخلت جنتك قلت ما شاء الله لا قوة إلا بالله"وإنما قال مقالته هذه لما استولى عليه من طول الأمل، وشدة الحرص على متاع الدنيا، والتمادي في الغفلة الناشئة من طول المهلة وسبوغ النعمة .

(1) - الكشاف للزمخشري: 2 / 674 .

(2) - البحر المحيط لأبي حيان: 6 / 120 .

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت