فهرس الكتاب
أما مسألة اعتراف الناس بوحدانية الربوبية خاصة فيما بتعلق بصفة الخلق، فهي حقيقة مسلمة لا يماري بها أحد، إلا حفنة شاذة من الملا حدة الذين انحرفت فطرهم عن مسارها الطبيعي، فأنكروا وجود الله أصلا ، ولكن الكفار أنفسهم يعترفون بخلق الله لهم، قال تعالى:"ولئن سألتهم من خلق السماوات والأرض ليقولن الله ..." (1) ، وقال:"ولئن سألتهم من خلقهم ليقولن الله ... (2) ، وهذا الاعتراف بوحدة الربوبية عند الناس، مرده إلى ذلك الميثاق القديم المركوز في فطرتهم، وهو ميثاق الفطرة الذي أشار إليه القرآن الكريم بقوله تعالى:"وإذ أخذ ربك من بني آدم من ظهورهم ذريتهم وأشهدهم على أنفسهم ألست بربكم قالوا بلى شهدنا أن تقولوا يوم القيامة إنا كنا عن هذا غافلين ، أو تقولوا إنما أشرك آباؤنا من قبل وكنا ذرية من بعدهم أفتهلكنا بما فعل المبطلون" (3) ،"
فالذي ينفرد بالخلق لا بد أن يُفرد بالعبادة، وهذه المعادلة تشكِّل أكبر البديهيات العقلية في هذا الوجود، ومع ذلك تعتبر أكبر معضلة واجهت البشرية، وتواجهها إلى قيام الساعة.
فمعظم الناس رغم اعترافهم لله تعالى بصفة الخلق، لكنهم يشركون به ويعبدون معه غيره, لذلك نبه الله عباده إلى هذه الحقيقة عندما قال:"أفمن يخلق كمن لا يخلق أفلا تذكرون" (4) ، فالاعتراف بربوبية الله تعالى يستدعي إفراده بالعبودية, وقد عاتب الله تعالى الذين لا يقرنون بين هاتين المقدمتين فقال: ( يا أيها الإنسان ما غرك بربك الكريم, الذي خلقك فسواك فعدلك"(5) ."
(1) - لقمان .
(2) - الزخرف: 87 .
(3) - الأعراف: 172- 173 .
(4) - النحل: 17 .
(5) - الانفطار: 6-7 .