فهرس الكتاب
وأما الحقيقة الثانية التي تترتب على الاعتراف بخلق الله تعالى للإنسان فهي الاعتراف بقدرته تعالى على بعثه في اليوم الآخر، وقد أفاض القرآن الكريم في الربط بين هاتين المسألتين في عشرات الآيات الكريمة:"كما بدأكم تعودون" (1) ، وقال:"كما بدأنا أول خلق نعيده وعدا علينا إنا كنا فاعلين" (2) ، وقال:"أولم ير الإنسان أنا خلقناه من نطفة فإذا هو خصيم مبين ، وضرب لنا مثلا ونسي خلقه, قال من يحيي العظام وهي رميم, قل يحييها الذي أنشأها أول مرة وهو بكل خلق عليم" (3) .
وهذا الاقتران بين الاعتراف بخلق الله للإنسان والبعث واضح في حوار المؤمن مع صاحبه الكافر، فقوله له:"أكفرت بالذي خلقك من تراب ثم من نطفة ثم سوّاك رجلا (4) ، جاء ردا على قول الكافر:"وما أظن الساعة قائمة"."
2-التصريح بالحق وإظهاره:
وأما الأسلوب الثاني الذي ورد في هذه المحاورة بعد إنكار المؤمن على صاحبه إشراكه بالله ، فقد جاء على لسان الرجل المؤمن، عندما صرَّح بالحق الذي يعتقده ويؤمن به، فقال لصاحبه الكافر:"لكن هو الله ربي ولا أشرك بربي أحدا"فقد أعلن المؤمن عن اعتقاده الذي يضاد اعتقاد صاحبه"وأكد إثبات اعترافه بالخالق الواحد بمؤكدات أربعة ، وهي: الجملتان الاسميتان ، وضمير الشأن في قوله"لكنا هو الله ربي"وتعريف المسند والمسند إليه في قوله"الله ربي"المفيد قصر صفة ربوبية الله على نفس المتكلم قصرا إضافيا بالنسبة لمخاطبه، أي دونك إذ تعبد آلهة غير الله، وما القصر إلا توكيد مضاعف، ثم بالتوكيد اللفظي للجملة بقوله:"ولا أشرك بربي أحدا" (5) ."
(1) - الأعراف: 29 .
(2) - الأنبياء: 104 .
(3) - يس: 77- 79 .
(4) - الكهف: 37 .
(5) - التحرير والتنوير لابن عاشور: 4 / 323 .