فهرس الكتاب
"كان لهذه السياسة الحكيمة الحازمة المسالمة التي ساس بها رسول الله - صلى الله عليه وسلم - الموقف أثرها في توجيه الأمور إلى نهايتها التي قصد إليها رسول الله - صلى الله عليه وسلم - من هذه السياسة التي تحمّل فيها على نفسه ومجتمعه المسلم، وامتحن فيها أصحابه رضي الله عنهم أشد الامتحان، فصبروا للمحنة بعد أن مُحِّصوا تمحيصًا أخلص أنفسهم للتأسِّي التسليم لما يراه رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ولو خفيت عليهم حكمته وأسراره." (1) .
هذا وهو- صلى الله عليه وسلم - كمحاور بارع ـ يحمل معه استراتيجيته المبنية على الصدق والعزم على عقد الصلح وإجراء التفاوض وبدء الحوارـ لم يستعجل المشركين من قريش في القبول بعرضه للصلح، بل قابل أسلوبها في الخداع والغدرـ الذي سلكته في الجولات الأولى من التفاوض والحوار من خلال ممثليها و المفاوضين عنها ـ بأسلوب التهدئة والحل السلمي، وذلك عندما عرض عروة بن مسعود على المشركين أن يأتي النبي - صلى الله عليه وسلم - فيكلمه فيما جاءهم به بديل بن ورقاء، ثم بعثوا إليه الحليس...، وكان يومئذ سيد الأحابيش فلما رآه رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ، قال: (هذا فُلَانٌ، وهو من قَوْمٍ يُعَظِّمُونَ الْبُدْنَ، فَابْعَثُوهَا لَهُ) ، فَبُعِثَتْ لَهُ، وَاسْتَقْبَلَهُ النَّاسُ يُلَبُّونَ. فَلَمَّا رَأَى ذَلِكَ، قال: سُبْحَانَ اللَّهِ، ما يَنْبَغِي لِهَؤُلاَءِ أَنْ يُصَدُّوا عن الْبَيْتِ. فلمَّا رَجَعَ إلى أَصْحَابِهِ قال: رأيت الْبُدْنَ قد قُلِّدَتْ وَأُشْعِرَتْ، فما أَرَى أَنْ يُصَدُّوا عن الْبَيْتِ. (2)
(1) محمد رسول الله - صلى الله عليه وسلم - منهج ورسالة ـ بحث وتحقيق، بقلم: محمد الصادق عرجون، الطبعة الأولى (1405هـ/1985م) ، دار القلم للطباعة والنشر والتوزيع، دمشق، (4/268، 269) .
(2) سبق تخريجه في ص 9 من هذا البحث.