فهرس الكتاب

الصفحة 407 من 764

هذا وقد كان أمره بالسير إلى مكة مراعيًا فيه تلافي المواجهة مع قريش؛ إذ خالف طريقهم المعتاد، حتى يدلل لقريش بأنه جاء محاورًا بالقول والفعل، وليعلم الناس حقيقة مقصده من الموادعة وتأمين الناس، وتحمَّل من أجل تحقيق هذا المقصد هو وصحبه المشقة والعنت؛ إذْ"أَمَرَ الناس فَسَلَكُوا ذَاتَ اليَمِينِ بين ظهري الْحَمْضِ على طَرِيقٍ تُخْرِجُهُ على ثَنِيَّةِ الْمِرَارِ وَالْحُدَيْبِيَةِ من أَسْفَلِ مَكَّةَ، قال: فَسَلَكَ بِالْجَيْشِ تِلْكَ الطَّرِيقَ فلما رَأَتْ خَيْلُ قُرَيْشٍ فترة الْجَيْشِ قد خَالَفُوا عن طَرِيقِهِمْ نَكَصُوا رَاجِعِينَ إلى قُرَيْشٍ فَخَرَجَ رسول اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم - حتى إذا سَلَكَ ثَنِيَّةَ الْمِرَارِ بَرَكَتْ نَاقَتُهُ فقال الناس خَلأَتْ فقال رسول اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم -: (ما خلأت وما هو لها بِخُلُقٍ وَلَكِنْ حَبَسَهَا حَابِسُ الْفِيلِ عن مَكَّة،َ والله لاَ تدعوني قُرَيْشٌ الْيَوْمَ إلى خُطَّةٍ يسألوني فيها صِلَةَ الرَّحِمِ إلا أَعْطَيْتُهُمْ إِيَّاهَا) " (1) .

فما أعظمه من رسول كريم، لم يعظم أحد قط البيت الحرام مثل تعظيمه له، وهذا دليل آخر يدل على نيته الصادقة في الإقدام على الصلح، وعن مدى اقتناعه بالحوار وجدواه في حل المشكلات والأزمات؛ إذ لا يخفى على المتبصر ما لهذه السياسة الحكيمة الراشدة المحكمة مِنْ أثرٍ بالغٍ على الموقف المتأزم بين دولة الإسلام الفتية وبين قريش.

(1) أخرجه أحمد في مسنده (4/323) .

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت