فهرس الكتاب

الصفحة 406 من 764

إنها قوة منطق الاستراتيجية السلمية التي بادر بها النبي - صلى الله عليه وسلم - والتي أحرجت العدو، ففصول صلح الحديبية أشبه ما تكون بالحرب الباردة التي يكون فيها النصر للمبادر والمقبل على عدوه، وغزوه في عقر داره. ألا ترى كيف أدركت قريش للوهلة الأولى انهزامها إعلاميًا إن هي قبلت بدخول النبي - صلى الله عليه وسلم - وصحبه إلى مكة لأداء النسك؟، وهي تدرك أنه لم يأت رغبة في الحرب، وإنما جاء زائرا للبيت ومعظما لحرمته، وقالوا:"والله لا تَتَحَدَّثُ الْعَرَبُ أَنَّا أُخِذْنَا ضُغْطَةً، وَلَكِنْ ذلك من الْعَامِ الْمُقْبِلِ" (1) ؛ لذا لا يقال: إن قريشًا لما اشترطت على النبي - صلى الله عليه وسلم - أن يرجع من فوره، ولا يدخل مكة إلا في العام القادم، كان كاشتراط الطرف القوي على الطرف الضعيف الذي يقبل بكل شيء، بل إني أقول: إن العكس هو الصحيح؛ لأن النبي - صلى الله عليه وسلم - لما رأى تحقق الهدف الأساس والمتمثل في قبول قريش بالصلح، جنح معها في حواره للمرونة، وأخذ الأمور معها بالرفق واللين، لاسيما وأنه قد أعلن عن الهدف العام الذي تحمله استراتيجيته في محاورته لقريش؛ إذ قال: (وَالَّذِي نَفْسِي بيده، لاَ يسألونني خُطَّةً يُعَظِّمُونَ فيها حُرُمَاتِ اللَّهِ إلا أَعْطَيْتُهُمْ إِيَّاهَا.) (2) .

(1) سبق تخريجه في ص 11 من هذا البحث.

(2) سبق تخريجه في ص 5 من هذا البحث.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت