فهرس الكتاب

الصفحة 412 من 764

والدليل على عدم تحمل وقع هذه المعاهدة لأحد من العالمين، عدم تحمل الصحابة لها؛ إذ أظْهَرَ أغلبُ الصحابة شيئًا من الرفض و عدم التسليم بما جاء فيها، كاد يصل بهم إلى العصيان بسبب ما آل إليه من اتفاق على بنود الصلح التي يدل ظاهرها على كثير من الإجحاف والتنازل الملفت للانتباه.

أقول: ولولا أنَّ رسول الله - صلى الله عليه وسلم - جاء رحمة للعالمين، مصداقًا لقوله تعالى { وما أرسلناك إلا رحمة للعالمين } (1) ، وأنه رؤوفٌ بالمؤمنين رحيمٌ بأصحابه، مصداقًا لقوله تعالى { لقد جاءكم رسول من أنفسكم عزيز عليه ما عنتم حرص عليكم بالمؤمنين رؤوف رحيم } (2) ؛ إذًا لهلك كل من تحرك حركة مغضبة، كعمر بن الخطاب - رضي الله عنه - وغيره من الصحابة الكرام؛ إذ لم تتحمل أجواؤهم النفسية البشرية، هذا الموقف الذي يستعصي تحمله من لم يكن صديقًا أو نبيًا؛ لذا انفرد عن الصحابة بثباتٍ راسخٍ، وإيمان صادق، الصحابي الجليل أبو بكر الصديق - رضي الله عنه -؛ لأنه نال من دون الصحابة مقام الصديقين، وهو سيد الراسخين بعد النبي - صلى الله عليه وسلم -.

ومن هنا أخذ حوار النبي - صلى الله عليه وسلم - وجهة أخرى؛ لأن حواره - صلى الله عليه وسلم - كما أسلفت ، لم يكن فقط بينه وبين ممثل قريش، بل تعدى ذلك إلى كبار الأركان من الصحابة عليهم الرضوان، مِمَّا صعب مهمة الرسول الكريم - صلى الله عليه وسلم - (3) .

المبحث الثالث

بعض الفوائد والأحكام الشرعية المستنبطة من صلح الحديبية.

(1) الأنبياء: 107.

(2) التوبة 128.

(3) أرى أن التفصيل في هذا اللون من الحوار ـ والذي أشرت إليه في المقدمة ـ يُُبعدنا عن موضوع الندوة المخصص بالحوار مع الآخر.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت