والقرآن الكريم كتاب يحترم العقل والمنطق، ويدعو إلى التفكر والحوار، فمن ذلك ذكره لموقف أحد المشركين المنكرين للبعث وهو أبي بن خلف الجمحي، الذي (أخذ عظما باليا فجعل يفته بيده ويقول: يا محمد، أترى الله يحيي هذا بعد ما قد رم؟ قال ـ صلى الله عليه وسلم ـ: نعم، ويبعثك، ويدخلك جهنم) (1) . قال تعالى: (وَضَرَبَ لَنَا مَثَلًا وَنَسِيَ خَلْقَهُ قَالَ مَنْ يُحْيِي الْعِظَامَ وَهِيَ رَمِيمٌ) (يّس:78) .
ومن ذلك دعوته بني إسرائيل إلى إحضار توراتهم لإثبات كذبهم، قال تعالى: (كُلُّ الطَّعَامِ كَانَ حِلاًّ لِبَنِي إِسْرائيلَ إِلَّا مَا حَرَّمَ إِسْرائيلُ عَلَى نَفْسِهِ مِنْ قَبْلِ أَنْ تُنَزَّلَ التَّوْرَاةُ قُلْ فَأْتُوا بِالتَّوْرَاةِ فَاتْلُوهَا إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ) (آل عمران:93) .
ومن ذلك دعوته نصارى نجران للمباهلة، قال تعالى: (فَمَنْ حَاجَّكَ فِيهِ مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَكَ مِنَ الْعِلْمِ فَقُلْ تَعَالَوْا نَدْعُ أَبْنَاءَنَا وَأَبْنَاءَكُمْ وَنِسَاءَنَا وَنِسَاءَكُمْ وَأَنْفُسَنَا وَأَنْفُسَكُمْ ثُمَّ نَبْتَهِلْ فَنَجْعَلْ لَعْنَتَ اللَّهِ عَلَى الْكَاذِبِينَ) (آل عمران:61) .
ومن ذلك حواره لأهل الكتاب في شأن إبراهيم عليه السلام، قال تعالى: (يَا أَهْلَ الْكِتَابِ لِمَ تُحَاجُّونَ فِي إبراهيم وَمَا أُنْزِلَتِ التَّوْرَاةُ وَالْأِنْجِيلُ إِلَّا مِنْ بَعْدِهِ أَفَلا تَعْقِلُونَ) (آل عمران:65) .
وفي القرآن الكريم آيات كثيرة في هذا الصدد، مما يدل على حيويته وملامسته لواقع الناس الديني والفكري، فهو كتاب يهتم بالحوار وإقامة الحجة والبرهان، كما يهتم بآداب الحوار والتعامل مع الآخرين برفق، وهو أمر يفتقده معظم المعارضين للقرآن الكريم.
(1) - الكشاف، للزمخشري، تصحيح مصطفى حسين أحمد، (4/30) .