فهرس الكتاب
فمن ذلك وعد الله عباده المؤمنين بالتمكين لهم في الأرض، وهذه سنة ثابتة لا تتخلف عن جيل دون جيل، ولا تتبدل طول الدهر، قال تعالى: (وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَيَسْتَخْلِفَنَّهُمْ فِي الْأَرْضِ كَمَا اسْتَخْلَفَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ وَلَيُمَكِّنَنَّ لَهُمْ دِينَهُمُ الَّذِي ارْتَضَى لَهُمْ وَلَيُبَدِّلَنَّهُمْ مِنْ بَعْدِ خَوْفِهِمْ أَمْنًا يَعْبُدُونَنِي لا يُشْرِكُونَ بِي شَيْئًا وَمَنْ كَفَرَ بَعْدَ ذَلِكَ فَأُولَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ) (النور:55) ، وقال أيضا: (إِنَّا لَنَنْصُرُ رُسُلَنَا وَالَّذِينَ آمَنُوا فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَيَوْمَ يَقُومُ الْأَشْهَادُ) (غافر:51) ، فالنصر حليف الإيمان في كل عصر ومصر على قلة أهل الإيمان عددا وعدة، ولقائل أن يقول: فكيف قتل بعض الأنبياء والرسل بشهادة القرآن: (إِنَّ الَّذِينَ يَكْفُرُونَ بآيَاتِ اللَّهِ وَيَقْتُلُونَ النَّبِيِّينَ بِغَيْرِ حَقٍّ وَيَقْتُلُونَ الَّذِينَ يَأْمُرُونَ بِالْقِسْطِ مِنَ النَّاسِ فَبَشِّرْهُمْ بِعَذَابٍ أَلِيمٍ) (آل عمران:21) . والجواب أن الشهادة هي نصر، بل هي أعظم نصر، ولذلك قال تعالى: (قُلْ هَلْ تَرَبَّصُونَ بِنَا إِلَّا إِحْدَى الْحُسْنَيَيْنِ وَنَحْنُ نَتَرَبَّصُ بِكُمْ أَنْ يُصِيبَكُمُ اللَّهُ بِعَذَابٍ مِنْ عِنْدِهِ أَوْ بِأَيْدِينَا فَتَرَبَّصُوا إِنَّا مَعَكُمْ مُتَرَبِّصُونَ) (التوبة:52) . فليس ثمة شيء أعظم من الإيمان بالرسالة والثبات عليها من الاستشهاد في سبيلها، فيكون هذا الدم الطاهر وساما لصاحبه يوم القيامة تنبعث منه رائحة المسك، كما يكون صاحبه منارا للأجيال القادمة من المؤمنين، تعلمهم معنى التضحية والفداء.