فهرس الكتاب
ونستطيع القول أن الدعاء بأن يحكم الله ويقضى بين الأنبياء وأقوامهم كان سنة إلهية بعد أن تغلق أبواب الدعوة أمام الرسل؛ ففي سورة إبراهيم تذكر الآيات القرآنية سنة كونية في علاقة الأنبياء بأقوامهم؛ حيث تدور محاورة بين الرسل وأقوامهم، ويكون المقطع الأخير من الحوار قول المكذبين: (لنخرجنكم من أرضنا أو لتعودون في ملتنا) (1) [إبراهيم:13] فكأنها أرضهم هم وليست أرض الأنبياء!! وهذا منهج كل الكافرين: قوم لوط وقوم شعيب وغيرهم، بل حتى ليمتد هذا الإفك ليتفوه به مشركو مكة للنبي الخاتم - صلى الله عليه وسلم -، قال تعالى: (وإن كادوا ليستفزونك من الأرض ليخرجوك منها وإذا لا يلبثون خلافك إلا قليلا) [الإسراء:76] وعندما يصل الأمر إلي هذا الحد يأتي الوحي الإلهي يتردد صداه في الآفاق: (فأوحى إليهم ربهم لنهلكن الظالمين ولنسكننكم الأرض من بعدهم...) [إبراهيم:13،14] ثم تأتي الخطوة الأخيرة التي يعقبها نزول العذاب، قال تعالى: (واستفتحوا وخاب كل جبار عنيد) [إبراهيم:15] .
(1) الظاهر من السياق أن المحاورة كانت بين الرسل والكافرين وأن هذا المنهج متبع مع كل الأنبياء، وقد ذهب صاحب التحرير والتنوير (13/205) إلي أن أهل قريش هم المقصودون بالآية،و: (لرسلهم) هو سيدنا محمد - صلى الله عليه وسلم - ، وأتي بأدلة قرآنية علي أنه قد تأتي صيغة التكذيب بالجمع ويراد بها نبي واحد، واستدل بأنه لم يعرف أن نبيا سكن أرض قومه إلا سيدنا محمد - صلى الله عليه وسلم - ولكن ما ذهب إليه الجمهور أولي ؛ لأنه المتبادر من الألفاظ، ولأن خط السورة- كما ذكر سيد قطب رحمه الله - يرمي إلي الحديث عن منهج الرسل عموما في مواجهة أهل الباطل ، ثم إن المقصود من السكن هنا التمكن منه، وإلا فنبينا محمد - صلى الله عليه وسلم - لم يستقر في مكة بعد الفتح طويلًا. لذا فحمل الكلام علي العموم أولي، والله أعلم.