فهرس الكتاب
... وهذا كلام صحيح؛ فما من نبي إلا ويترجى من سويداء قلبه أن يؤمن قومه، إذ هي مهمته التي كُلِّف بها من لدن الحكيم الخبير، وهو متفرغ لها بفكره وقلبه ولسانه، يطوف على أنديتهم ويجادلهم بالحسنى، ويتلطف في النصح لهم، ويبين لهم فساد ما هم عليه، قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم:"إِنَّهُ لَمْ يَكُنْ نَبِيٌّ قَبْلِي إِلَّا كَانَ حَقًّا عَلَيْهِ أَنْ يَدُلَّ أُمَّتَهُ عَلَى خَيْرِ مَا يَعْلَمُهُ لَهُمْ وَيُنْذِرَهُمْ شَرَّ مَا يَعْلَمُهُ لَهُمْ" (1) .
... لكن الصراع بين الحق والباطل لا بد له من نهاية؛ ومن حكمة المولى تبارك وتعالى أن يرى الناس مصارع الظالمين حتى يعتبر المُوَفَّق.
رابعا: دعاء موسى على قومه
ورد هذا في قوله تعالى: (وقال موسى ربنا إنك آتيت فرعون وملئه زينة وأموالا في الحياة الدنيا ربنا ليضلوا عن سبيلك ربنا اطمس على أموالهم واشدد على قلوبهم فلا يؤمنوا حتى يروا العذاب الأليم) [يونس:88] وقال تعالى: (فدعا ربه أن هؤلاء قوم مجرمون) [الدخان:22] .
أيس موسى من فرعون وقومه، فتوجه إلى ربه بالدعاء، وقبل الدعاء ذكر مبرراته وحيثياته فقال: أي رب، إنك ابتليت فرعون وقومه الذين يملئون المحافل ويملئون الأعين مهابة وجلالا ابتليتهم يارب بالأموال الكثيرة وبما يتزينون به من الأثاث والرياش وغير ذلك، وقد كان هذا ليؤول أمرهم إلى الطغيان والبطر فيضلوا ويُضلوا غيرهم، ثم دعا عليهم بثلاثة أمور:
أولها: أن يطمس على أموالهم بمحقها وإهلاكها، وذهاب نفعها وأثرها.
ثانيها: أن يشدد على قلوبهم ويطبع عليها فلا ينفذ إليها خير، ولا تنفسح الصدور للهدى والنور.
(1) صحيح مسلم كتاب"الإمارة"باب:"وجوب الوفاء ببيعة الخلفاء الأول فالأول"عن عبد الله بن عمرو بن العاص.