فهرس الكتاب
ثالثا: وهو نتيجة ما سبق: ألا يؤمنوا حتى ينزل بهم العذاب الأليم. وعندئذ فلا ينفعهم هذا الإيمان لأنه قد جاء في وقت معاينة العذاب، قال تعالى: (وليست التوبة للذين يعملون السيئات حتى إذا حضر أحدهم الموت قال إني تبت الآن ولا الذين يموتون وهم كفار أولئك اعتدنا لهم عذابا أليما) [النساء: 18] .
... وقد استجاب الله دعائه هو وأخوه فأغرق فرعون ومن معه وقطع دابرهم وألحق آخرهم بأولهم ، وقد حدث ما توقعه نبي الله موسى؛ فما إن أدرك الغرق فرعون إلا وتذكر ربه ونطق بكلمة النجاة ولكن: لات ساعة نطق وندم، فقد سبق القلم، ونصحه موسى فما فهم، فكان الجزاء أن يغرق فيما افتخر به، إنه الماء الذي قال فيه: (أليس لي ملك مصر وهذه الأنهار تجرى من تحتي) [الزخرف: 51] .
... إن موسى عليه السلام لم يدع على فرعون وملئه إلا بعد أن طغى وبغى ونسى ربه الأعلى وأجرم في حق نفسه وأمته وبني إسرائيل الكثير والكثير:
فقد ادعى الألوهية فقال كما ذكر الله تعالى: (فقال أنا ربكم الأعلى) [النازعات:24] .
ولم يكتف بضلال نفسه بل أضل قومه؛ قال تعالى: (وأضل فرعون قومه وما هدى) [طه:79] .
وقد جاءتهم الآيات الكثيرة فما انتصحوا ولا اتعظوا، قال تعالى: (ولقد أخذنا آل فرعون بالسنين ونقص من الثمرات لعلهم يذكرون) [الأعراف: 130] ، فلم تزدهم آيات الهدى إلا ضلالة على ضلالهم.
وقد نقضوا عهدهم مع موسى؛ فحينما وقع عليهم العذاب وعدوه أن يؤمنوا، فلما انجلت غمتهم، ولوا مدبرين ناسين وعدهم، ناكثين في الرخاء عهدهم الذي كان منهم وقت حلول البأساء، قال تعالى: (ولما وقع عليهم الرجز قالوا يا موسى ادع لنا ربك بما عهد عندك لئن كشفت عنا الرجز لنؤمنن لك ولنرسلن معك بني إسرائيل* فلما كشفنا عنهم الرجس إلى اجل هم بالغوه إذا هم ينكثون) [الأعراف:135] .