فهرس الكتاب
... بل لعل الأقرب- والله أعلم- أن يعاجَل المكذبون بالعذاب؛ وكان هذا سنة كونية مع الأنبياء السابقين جميعهم، حتى إن شفاعة إبراهيم في قوم لوط لم تُقبَل منه، ووقع بهم العذاب، وعندما قال: ( ومن عصاني فإنك غفور رحيم) [إبراهيم:36] فليس المقصود الدعاء بالمغفرة للمشرك، ولعل هذه الدعوة قبل أن يُعلِم الله نبيه إبراهيم عليه السلام أنه لا يغفر لمشرك، أو أن الآية لا تحتمل أكثر من الرد إلي مشيئة الله وعفوه ، فإن شاء عذب وإن شاء غفر، ونظير هذا قول عيسي عليه السلام الوارد في الحديث السابق.
المبحث الثالث: التبرؤ منهم
أولا: تبرؤ هود من أفعال قومه
قال تعالى على لسان هود عليه السلام: (قال إني أشهد الله واشهدوا أني برئ مما تشركون من دونه فكيدوني جميعا ثم لا تنظرون إني توكلت على الله ربي وربكم ما من دابة إلا هو آخذ بناصيتها إن ربي على صراط مستقيم) [هود:54، 55]
لما خاطب هود قومه ودعاهم إلى عبادة الله وحده وأمرهم بالاستغفار ووعدهم عليه من الله الرزق وزيادة القوة لم يقع هذا النصح الطيب من نفوسهم موقع القبول، بل جابهوه بثلاثة أمور:
أولها: أنه لم يأتهم ببينة دالة على صدق دعواه، وثانيها: أنهم مقلدون لآبائهم ولن يتركوا ما كانوا عليه من الباطل، وثالثها: أنهم أكدوا عزمهم على عدم الإيمان بما معه، بل اتهموه بأن به مسا من جنون أصابته به آلهتهم المزعومة، فما كان منه عليه السلام إلا أن أعلن براءته من شركهم وتحداهم أن يمسوه بأذى مع كثرة عددهم ووفرة قوتهم واجتماعهم وعدم إمهالهم وما كانت له هذه القوة إلا من حسن التوكل على الله والاعتماد عليه وحده.
... يقول سيد طنطاوي:"فأنت تراه في هذه الآية الكريمة يعلن احتقاره لآلهتهم ، وبراءته من شركهم ، واستخفافه بأصنامهم التي زعموا أن بعضها قد أصابوا بسوء ، ويوثق هذه البراءة بإشهاد الله - تعالى - وإشهادهم ."