فهرس الكتاب

الصفحة 522 من 764

... فهذه الآيات يبدو فيها أسلوب اللين والرحمة من وجوه كثيرة؛ فقد خاطبه بلفظ: ( يا أبت) الذي يحمل معاني الشفقة والمودة والنصح الخالص، ثم خاطبه في حجة عبادته الأصنام مع أنها لا تسمع ولا تبصر، وبيَّن له أنه معه من العلم ما ليس عند أبيه وهذا في غاية الأدب؛ فلم يصف نفسه بسعة العلم ولم يصف أباه بالجهل، بل أتى بلفظ بليغ حكيم يفي بالغرض، ثم بين له شفقته عليه وخوفه أن يصاب بأذى بسبب ذنبه، ومع كل هذا الأسلوب اللين فإن الرد كان جافًا غليظا إلا أنه وعده بالاستغفار وهذا أسلوب طيب في النصح والإرشاد، قال أبو السعود:"ولقد سلك عليه السلام في دعوته أحسنَ منهاجٍ وأقومَ سبيل ، واحتج بحسن أدبٍ وخلقٍ جميل لئلا يركبَ متنَ المكابرة والعناد ولا يُنكّبَ بالكلية عن مَحَجّة الرشاد" (1) .

ولكن من حسن أسلوب الخطاب الدعوي ما نتعلمه من خليل الرحمن إبراهيم وذلك بأن يكون هناك ثمة تنويع في الأسلوب؛ فإن الحكمة وضع الشيء في موضعه، وقد تقتضى الحكمة إلانة القول، ثم يكون من لوازم الحكمة في موطن آخر أن يكون اللفظ شديدا به شيء من الغلظة فيجمع الكلام بين الإرجاء والتخويف والترغيب والترهيب، فجاء كلام إبراهيم عليه السلام في هذا الموطن واصفا أباه وقومه بالعدول عن الطريق القويم والصراط المستقيم بالرغم من وضوح الحجة.

وهذا التنويع من الأساليب الدعوية الناجعة؛ إذ أن النفوس التي تستمع للترغيب واللين دوما قد يحصل لها نوع ركون واطمئنان، فإذا جوبهت بشيء من الأوصاف الحقيقة بلا لبس أو مواربة فلعل ذلك مما يوقظها من غفلتها، والله أعلم.

وفي تأويل هذه القراءة يقول الألوسي:"هذا ليس من الإيذاء المحرم في شيء وليس مقتضى المقام إلا ذاك ... وقد يقسو الإنسان أحيانًا على شخص لمنفعته كما قال أبو تمام:"

فقسا ليزدجروا ومن يك حازما ... فليقس أحيانًا على من يرحم

وقال أبو العلاء المعري:

(1) تفسير أبي السعود 5/266.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت