ويرى الباحث أن يشرع في مناقشة مدلول الآيات الثلاث السابقة من سورة البقرة التي تتحدث عن أهل الكتاب، ثم يرجع إلى الآيتين الأوليين من سورتي البقرة والنساء مع ما في الآية الأولى [البقرة:105] من إشارة إلى المشركين لا تفيد سوى أن سنة الله - تعالى - قضت بأن يظل ناموس الخلاف والتدافع - وليس الصراع بمفهومه الهيجلي أو الماركسي أو الدارويني - مستمرًا بحيث تتعدد ديانات الخلق ومللهم كما تتعدد لغاتهم وأجناسهم وألوانهم ، وأنه لا يمكن أن تتحد هذه الديانات، على معنى أن تعلن تخليها عن أديانها كليّة لتذوب جميعها في دين الإسلام الخاتم بمفهومه الاصطلاحي . ولكن هل هذا يقتضي الصراع وحتمية الحرب بين أهل الأديان؟ إذا لماذا شرع الإسلام أحكام أهل الذّمة ومن في حكمهم ؟ ولماذا نهى عن قتل النساء والصبيان والعبّاد والزرَّاع وكل من لم يحمل السلاح ضدّ المسلمين رغم انهم كفار جميعًا ؟ ولماذا جاءت كثير من الآيات القرآنية مستثنية بعضهم من السوء ، كما مرت بنا الآيات قبلًا ؟ بل إن القرآن - وهو يصف المعادين ميَّز بالجملة بين المخالفين من أهل الديانتين: اليهودية والنصرانية وكذا المشركين حيث قال - تعالى -:"لتجدن أشد الناس عداوة للذين آمنوا اليهود والذين أشركوا ولتجدن أقربهم مودة للذين آمنوا الذين قالوا إنا نصارى ذلك بأن منهم قسيسين ورهبانا وأنهم لا يستكبرون" [ المائدة: 82] .