الثانية: كلما كان المسلمون في مركز القوّة فإنهم يعلنون الحرب المادية ضد الأنظمة الطاغوتية الحاكمة لتحرير شعوبها المغلوبة على أمرها من هيمنة تلك الأنظمة لتقرر بنفسها حقها في قبول الإسلام أو رفضه ولكن بدون ضغط أو إكراه. ولعل الفارق الأساس بين الحالتين هو أنه في الحالة الأولى يتم تطبيق مبدأ الصراع الحضاري بوصفه حتميًا وقطعيًا، أما الحالة الثانية فإنه سعي مشروع لتحرير المقهورين من ربقة الظلم والطغيان الذين يحولون بين الأفراد في تقرير حرِّياتهم ومصيرهم ، دون أن يعني ذلك قتالًا لغير المسلم بدليل انه سيقرِّر ما يعتقده الأصلح لنفسه ولا يكره على سواه أياَّ كان قراره واختياره ، وتاريخ المسلمين حافل بالتعايش مع الآخر الذي يعيش في كامل حرّيته في ظل دولة الإسلام وسلطانها. غير أن ما قد يشغب على هذا الاستخلاص هو الفهم الظاهري لمدلولات بعض النصوص القرآنية من مثل فهم بعضهم للآيات التالية ، وأنها تفيد حتمية الصراع:
"ما يود الذين كفروا من أهل الكتاب ولا المشركين أن ينزل عليكم من خير من ربكم والله يختص برحمته من يشاء والله ذو الفضل العظيم" [ البقرة: 105] .
"ولئن أتيت الذين أوتوا الكتاب بكل آية ما تبعوا قبلتك وما أنت بتابع قبلتهم وما بعضهم بتابع قبلة بعض ولئن اتبعت أهواءهم من بعد ما جاءك من العلم إنك إذا لمن الظالمين" [ البقرة: 145] .
"ولن ترضى عنك اليهود والنصارى حتى تتبع ملتهم" [ البقرة: 120] .
"ودوا لو تكفرون كما كفروا فتكونون سواء" [ النساء: 89] .
"ولا يزالون يقاتلونكم حتى يردوكم عن دينكم إن استطاعوا" [ البقرة: 217] .