أما النهي فموجّه نحو أولئك الذين يؤمنون بحتمية الصراع الحضاري ،حيث يعتقدون أن لا وجود لهم يتضمن السيادة والهيمنة إلا بالقضاء على المسلمين وحضارتهم ولذلك قال تعالى:"إنما ينهاكم الله عن الذين قاتلوكم في الدين وأخرجوكم من دياركم وظاهروا على إخراجكم أن تولوهم ومن يتولهم فأولئك هم الظالمون" [ الممتحنة: 9] .
وتؤكِّد أحداث السيرة النبوية المعنى العملي لفلسفة التربية الإسلامية الحضارية السلمية إذ إن نسبة الذين اعتنقوا الإسلام في ظل السلام بعد صلح الحديبية بلغت ستين ضعفًا مقارنة بمن اعتنق الإسلام قبلها . حيث لم يكن قد بلغ عدد المسلمين إلى صلح الحديبية أكثر من ألف وخمسمائة مسلم خلال تسع عشرة سنة قبل ذلك الحَدث ، في حين بلغوا بعد الصلح ومُضِى ما لا يزيد عن سنة ونصف من يوم الحديبية عشرة آلاف من المسلمين ، وما ذلك إلا لأنه قد أتيح للمسلمين عرض دعوتهم ، وتوفرت للعرب فرصة التعرّف على الإسلام حتى وصل إلى المدينة من لم يكن قادرًا على الوصول إليها قبل ذلك . (22) .
ومما يلاحظ في تاريخ الصراع بين المسلمين والكافرين ظاهرتان هامتان (23) :
الأولى: كلما كان المشركون في مركز القوّة فإنهم يعلنون الحرب المادية ضد المسلمين بهدف منع الناس من الدخول في الإسلام ، وإجبار من أسلم منهم على مفارقته.