والواقع أن الآية إنما تتحدث عن حجم عداوتين ميّزت بينهما بصيغتي مفاضلة هما:"أشدّ"و"أقرب". ولا يعقل بأي مقياس بأن تتحول طائفة من أهل دين ما إلى دين آخر - هو الإسلام- لِيصبحوا مسلمين خالصين حسب ما ذهب إليه المفسِّر المشار إليه آنفًا ثم ما برح الوصف بـ"أقرب"قائمًا ملازمًا. فهذا اللفظ إنما يشعر صراحة ببقائهم على دينهم ، بيد أن عدالتهم وإنصافهم حين استمعوا إلى المنصفين من علمائهم دفعت بهم للاعتراف برسالة محمد - صلى الله عليه وآله وسلم - وأنها امتداد لدعوة عيسى - عليه الصلاة والسلام - . وهذا لا يقتضي منهم بالضرورة إعلان تخليهم عن النصرانية واعتناقهم الإسلام ، فما يزال دأب المنصفين أن يتأثروا بما عند غيرهم من الحق وإن لم يتابعوه كليّة أو نهائيًا أحيانًا، ولذلك جَرت مقولة:"والحق ما شهدت به الأعداء". ومن هنا كان عام الحُزن هو العام الذي توفي فيه أبو طالب بن عبد المطلب عمَّ الرسول - صلى الله عليه وآله وسلم - رغم عدم ثبوت إسلامه بالسند الصحيح. وكان وصف النبي - صلى الله عليه وآله وسلم - للنجاشي ملك الحبشة بأنه ملك عادل لا يظلم عنده أحد ، وذلك قبل أن يسلم . ولذلك لا غرابة أن يوصف بعض النصارى بـ"الأقرب موَّدة للذين آمنوا"مع بقائهم على دينهم ومعتقدهم ، ولنتذكر بأن الآية لم تعمم الحكم ولكن قالت:"ذلك بأنَّ منهم قسيسين ورهبانًا وأنهم لا يستكبرون".
ومن جانب آخر كيف يقال بأن هذا الوصف خاص بفريق محدود آمن بالإسلام من النصارى ثم لا يوصف الفريق الآخر الذي آمن بالإسلام من اليهود من أمثال عبد الله بن سلام وكعب الأحبار وغيرهما أيًا ما اختلفت النسبة بين الفريقين ؟ فالحديث هنا في معرض فئة محدودة أسلمت ولم تعد معتنقة لدينها أو هكذا قيل !.