والسؤال إذًا: هل المسألة انطباعية لا معيار فيها ولا ضابط ؟ أم أنه التأثر البليغ بفترات الصراع التاريخي والمعاصر بين المسلمين والصليبيين ، ذلك الصراع الذي ترك بصماته واضحة على نفوس وأفئدة فقهاء ومفسرين ومؤرخين - مع الأسف - ؟!
وفي سياق التعليق على تلك الآيات الثلاث آنفة الذكر من سورة البقرة يودّ الباحث الإيماء إلى أن عدم إيمان أهل الكتاب أو سواهم بدين الإسلام ، أو عدم حمل ودّ لحصول خير ينال المسلمين من ربهم ، أو أن عدم رضاهم التام عن المسلمين حتى يتبع المسلمون ملتهم ، ذلك كله لا يعني ضرورة الصراع الحضاري وحتميته،فإذا كان ثمة أديان متعدِّدة فمن السنن الجارية أن يقع - ضمن ما يقع -قدر مِن الاختلاف والتنازع والتدافع لكنه ليس الصراع المادي الهيجلي أو الماركسي أو الدارويني بالضرورة ، وعدم الرضا مثلًا لا يعني أن نتيجته الحتمية هي الحرب فما يزال الأب الحنون أو المعلم المخلص أو الأخ الأكبر أو الصديق الوفي غير راضٍ أيّ منهم عمَّن استُرِعي شأنه حتى يتابعه في توجيهاته ونصحه ومسلكه لكن عدم تحقق ذلك لا يعني ضرورة الانتقال من الحنان أو الإخلاص أو الوفاء إلى عكس هذه المعاني !
وملحظ آخر في هذه الآيات التي قد يشعر ظاهرها بالاستغراق والعموم حيث جاء ذكر"أهل الكتاب"و"المشركون"و"اليهود والنصارى"بدون تقييد بصيغة من صيغ التبعيض كما في الآيات التي مرَّت بنا فيما سبق ، فهل يعني ذلك خروجًا عن تلك القاعدة هنا ؟