فرأى عمر - رضي الله عنه - وجاهة هذا القول وأنه خير من أن يقسم بين المجاهدين ثم عزم على هذا الأمر فدخل عليه بلال - رضي الله عنه - وقال: يا أمير المؤمنين اقسم فإن هذه الأراضي من حق المجاهدين خذ الخمس واقسم الباقي. فتكلم معه عمر بن الخطاب - رضي الله عنه - وبين له المصلحة في إبقاء الأرض وقفًا لتفتح الأراضي التي تليها ولتكون عونًا للمجاهدين فقال: يا أمير المؤمنين خذ الخمس واقسم ثم دخل هو وجماعة وقال: يا أمير المؤمنين خذ الخمس واقسم. فقال أمير المؤمنين عمر بن الخطاب - رضي الله عنه: اللهم اكفني بلالًا وذويه. قال الراوي فما حال الحول وفيهم عين تطرف.
وإنما استجيب له - والله أعلم - لأن غرضه - رضي الله عنه - كان صحيحًا وكان يريد أن تبقى هذه الأراضي وقفًا ينتفع بها المجاهدون ويفتحون الأراضي التي تليها وهذا ما وقع وصار فإنها صارت عونًا وردأً للمجاهدين وصارت غلات هذه الأراضي من أعظم ما يعين على الجهاد.
ففي تصرف عمر - رضي الله عنه - أولًا: هم بالقسمة ثم رجع إلى الوقف مما يدل على أن الأمرين مخير فيهما الإمام.
-قال - رحمه الله:
ويضرب عليها خراجًا مستمرًا، يؤخذ ممن هي بيده.
إذا اختار الأمير أن لا يقسم وأن يجعلها وقفًا فإن هذه الأرض تصبح من أوقاف المسلمين وتضرب عليها الخراج ويكون الخراج بمنزلة الأجرة ويبقى الخراج يؤخذ من الأراضي ولو أسلم من هي في يده ولو انتقلت إلى مسلم فإن هذا الخراج يبقى دائمًا وأبدًا لأنها من الأوقاف التي يؤخذ منها الأجرة وتصرف في مصالح المسلمين.
إذًا: فكرة الخراج هي أن تؤخذ على هذه الأراضي التي أقرت في أيدي أهلها وتستمر ولو كان الذي يتولى الأرض من المسلمين. فإنها بمنزلة الأجرة وليست بمنزلة الجزية كما سيأتينا.
إذًا: هذا هو الخراج.
وعمر بن الخطاب - رضي الله عنه - صار في الفتوح الأخيرة كلها يسلك هذا المسلك فلما فتح الشام أوقف أراضيه ولما فتح مصر أوقف أراضيه ولما فتح العراق أوقف أراضيه. فصار - رضي الله عنه - يوقف الأراضي بعد أن رأى وجاهة هذا القول وهو - رضي الله عنه - أخذ بسنة النبي - صلى الله عليه وسلم -.
-قال - رحمه الله: