وآخر من تحشرهم النار راعيين من مُزينة، عن أبي هُريرة رضي الله عنه قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول:"يتركون المدينة على خير ما كانت، لا يغشاها إلا العوافي (يريد عوافي السباع والطير) ،وآخر من يُحشر راعيين من مُزينة، ينعقان بغنمهما، فيجدانها وحشًا، حتى إذا بلغا ثنية الوداع فرّا على وجوههما" [1] .
يقول ابن كثير: فهذه السياقات تدل على أن هذا الحشر هو حشر الموجودين في آخر الدنيا، من أقطار محلة الحشر، وهي أرض الشام، وأنهم يكونون على أصناف ثلاثة، فقسم يُحشرون طاعمين كاسين راكبين، وقسم يمشون تارة ويركبون تارة أخرى، وهم يعتقبون على البعير الواحد، اثنان على بعير، وثلاثة على بعير، وعشرة على بعير، يعني يعتقبونه من قلة الظهر، كما جاء مفسرًا في الحديث الآخر، وتحشر بقيتهم النار، وهي التي تخرج من قعر عدن، فتحيط بالناس من ورائهم وتسوقهم من كل جانب، إلى أرض المحشر، ومن تخلف منهم أكلته.
وهذا كله مما يدل على أن هذا في آخر الدنيا، حيث الأكل والشرب، والركوب على الظهر المستوي وغيره، وحيث يهلك المتخلفون منهم بالنار، ولو كان هذا بعد نفخة البعث، لم يبق موت ولا ظهر يسري ولا أكل ولا شرب، ولا لبس في العرصات [2] .
علاقة فلسطين بالحشر:
روى الإمام أحمد في مُسنده عن معاوية بن حيدة رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال له:"هاهنا تُحشرون، هاهنا تُحشرون، هاهنا تُحشرون (ثلاثًا) ، ركبانًا ومشاة على وُجوهكم، تُوفون يوم القيامة سبعين أمة، أنتم آخر الأمم، وأكرمها على الله تبارك وتعالى، وتأتون يوم القيامة، وعلى أفواهكم الفدام، أول ما يُعرب عن أحدكم فخذه" [3] .
(1) أخرجه الإمام مسلم في صحيحه: رقم (499/ 1389) ، كتاب، الحج، باب: إخباره (ص) بترك الناس المدينة، ص 3/ 511.
(2) أنظر، ابن كثير: النهاية في الفتن والملامح، ص 287.
(3) أخرجه الإمام أحمد في مُسنده: رقم (19896) ، ص 15/ 99 ... - حم 4/ 447.