الصفحة 190 من 273

في الحياة الدُنيا تتحرك الأشياء كلها في تثاقل وبُطء، حتى كأن كل شيء مشدود إلى قيد، لأن عالم المادة عالم سدود وقيود، تقوم فيه الحواجز الكثيفة من شرق وغرب، وشمال وجنوب، ومن فوق و من تحت، فالهواء وهو أكثر أشياء الأرض حرية وانطلاقًا تُمزقه الحواجز، وتلطمه الجبال وناطحات السحاب، والماء المتدفق السيال إن سال من منحدر فلا يستطيع أن يقف أو يتحرك إلى الوراء، حتى النفس وخواطرها، وخيالاتها، وحتى الأحلام يقظة ونومًا، تنطلق لحظة وكأنها مطلقة من كل قيد، ثم لا تلبث أن تصطدم بالواقع، وتقع بين يديه.

هذا هو واقع الحياة الدُنيا.

أما الآخرة، فلا حُدود، ولا قُيود، إنها عالم الروح الذي لا يحويه زمان أو مكان، كل شيء ينطلق كيف يشاء إلى ما يشاء.

على هذا كان نعيم الجنّة، وكان عذاب النار، لا حدود للنعيم، ولا حدود للعذاب، كل ما يقع وما لا يقع في الوهم من ألوان النعيم أو صنوف العذاب، فهو حاضر عتيد، لأهل النعيم وأهل العذاب

إن ما ذكرته الديانات السماوية الثلاث عن نعيم الآخرة لم يكن محل جدل ولا مثار بحث، فإن الناس في باب الخير يقبلون كل شيء مهما كثر، بل يتطلعون إلى المزيد من هذا الخير الكثير، ولهذا فقد قبل الناس من نعيم الآخرة كل ما جاء به شراع العقائد من إضافات كثيرة لصور النعيم، وإن بلغت ما بلغت من السذاجة، أو الشراهة والنهم.

عكس هذا كان موقف الناس من صُور العذاب وأهواله، فقد فزع لهذا العذاب الغليظ الذي يلقاه المجرمون يوم القيامة، فزع له كثير من الناس، ووقفوا منه موقف الشك والارتياب، حتى لقد أدى ذلك إلى الكفر والإلحاد في كثير من الأحوال.

المبحث الأول

النار وعذابها

في هذا المبحث سأتناول بالحديث عن فكرة النار وعذابها عند الأُمم السابقة، وعند أهل الأديان السماوية، مُنتهيًا بالحديث عن نظرة الإسلام إليها.

ماذا قالت الكتب السماوية عن جهنم وعذابها؟

ذكر جهنم في التوراة:

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت