كما أسلفنا سابقًا، لم يُشغل اليهود كثيرًا بأمر الآخرة، لهذا كانت آمالهم وأحلامهم مُتجهة إلى الخلاص الأرضي، إلى أرض الميعاد، والصلوات والدعوات، والتراتيل التي تملأ أسفار التوراة، إنما غايتها خلاص إسرائيل وإعادة مجدها السليب.
ومزامير داود وما فيها من نغم حزين ضارع هي صلاة من أجل إسرائيل، لا تجد فيها إشارة واحدة إلى خلاص النفس في الآخرة، ولا ضراعة إلى الله بالنجاة من عذاب الجحيم.
خذ مثلًا: المزمور السابع والعشرين، يقول داود:
"الرب نُوري وخلاصي ممن أخاف، الرب حصنّ حياتي ممن أرتعب، عندما أقترب إلى الأشرار ليأكلوا لحمي، مُضايقي عثروا وسقطوا، إن نزل علي جيش لا يخاف قلبي، إن قامت عليَّ حرب ففي ذلك أنا مُطمئن، واحدة سألت من الرب وإياها ألتمس، أن أسكن في بيت الرب كل أيام حياتي لأنظر إلى جمال الرب، وأتفرس في هيكله، لأني يُخبئني في مظلته في يوم الشر، يسترني بستر خيمته، على صخرة يرفعني والآن يرتفع رأسي على أعدائي حولي، فأذبح في خيمته ذبائح الهتاف، أُغني وأُرتم للرب" [1] .
ويقول في موضع آخر:"من يقودنا إلى المدينة المحصنة، من يهديني إلى (أروم) أليس أنت يا الله الذي رفضتنا، ولا تخرج ياالله مع جيوشنا، أعطنا عونًا في الضيق، فباطل هو خلاص الإنسان، بالله نصنع ببأس، والله يدوس أعداءنا" [2] .
إن العقلية اليهودية لم تكن تنظر إلى الله إلا على أنه (إله الجنود) ، فهو يُحارب معهم، ويتولى عنهم لقاء الأعداء، وقد أشار القرآن الكريم إلى شيء من ذلك فيما يقص من أنباء (اليهود) مع نبيهم موسى عليه السلام، {قَالُوا يَا مُوسَى إِنَّا لَنْ نَدْخُلَهَا أَبَدًا مَا دَامُوا فِيهَا فَاذْهَبْ أَنْتَ وَرَبُّكَ فَقَاتِلَا إِنَّا هَاهُنَا قَاعِدُونَ} (المائدة: 24) .
(1) العهد القديم: مزامير داود، المزمور 27/ 1 - 5، ص 850.
(2) المصدر السابق: مزامير داود، المزمور 60/ 9 - 12، ص 873.