ولماذا يُحالون إلى ذلك الجزاء المعلق الذي ربما لا يقع، وكيف لمن يغرس في مغارس الخير، كيف له بالصبر، وبالبصر الطويل الذي يستنفذ عُمره، ويصحبه في قبره، وينتقل معه إلى موقف الحساب، كيف له بهذا الصبر على فرض أن البعث ملء يقينه، فإذا كان شاكًا في البعث، أو ذاهلًا عنه، وما أكثر الشاكين والذاهلين، فمن أين له الصبر الذي يحمي صدره من أن تنهشه دواعي القلق، والملل، وتطاول الأيام؟
ثم كيف لمن يزرع الشر ويُثمر السوء أن يُنتظر به هذه الآماد الطويلة، وتُحال جرائمه إلى هذا اليوم الذي يطول بالناس انتظاره، والذي لا يقع إلا بعد أن يموت الناس ويُبعثوا بعثًا جديدًا.
إنه لمن حُسن التربية أن يُبادر بالجزاء على المحسن والقبيح، ليزداد المحسن إحسانًا، وليرعوي المسيء عن إساءته، هذا بعض ما يتدافع في كثير من الصدور، ويتردد على كثير من الشفاه، وتتحرك به كثير من الأقلام، عند بعض أهل الكتاب، وعند غيرهم كثير من غير أهل الكتاب، قديمًا، وحديثًا.
عُرف عن اليهود أنهم لم يعتقدو في الجزاء الأُخروي، ولا في حياة أُخرى بعد الموت، وعقابهم وثوابهم مقصورين على الحياة الدُنيا.
وكثير من فلاسفة اليونان وعلى رأسهم"أبيقور"لا يعتقدون بحياة بعد الموت ولا جزاء ولا عقاب، وأن الإنسان كالحيوان يدور دورته في الحياة ثم يُطوى في لفائف العدم.
والفلسفة المادية في كل عصورها القديمة والحديثة قائمة على أنه لا حياة بعد الموت، وأن هذه الحياة تُعطي الناس بقدر ما تأخذ منهم، أي أن أعمالهم تحمل في طبيعتها الجزاء المناسب لكل عمل، فالعمل الطيب يعقبه الرضا والسرور، والعمل الخبيث يُسلّم إلى الحُزن والألم.
وهكذا وقف كثير من الحكماء والفلاسفة بالحياة الإنسانية عند هذه الحياة الدُنيا، وسوّوا حسابهم على هذا التقدير، فلم يرجوا بعد الموت حياة، ولم يتوقعوا حسابًا، ولم يطمعوا في جنة أو يخافوا نارًا.