فالديانة الموسوية لم تكن تذكر إلا لمحات خاطفة عن الحياة الآخرة، وعن الثواب والعقاب فيها، حتى لقد كانت التوراة لا تتحدث إلا حديثًا عابرًا عن الحياة الآخرة، وما فيها من نعيم وعذاب.
تعلق اليهود بالماديات تعلقًا كبيرًا، حتى تحولت حياتهم إلى مادة بدون روح، على كل المستويات.
حتى جاء المسيح عليه السلام في ظل هذه الحياة المادية الغليظة، فكانت دعوته، دعوة صارمة في التخفف من الدُنيا، والزُهد في زخارفها، والاتجاه إلى الله وادخار الأعمال الصالحة عنده ليوم الوقت المعلوم.
دعوة تختلف تمامًا عن منهج التوراة، فالتوراة كل ما فيها تعامل"فوري"وجزاء عاجل، والإنجيل كل ما فيه تعامل مع الجانب الروحي، وجزاء مؤجل يلقاه يوم القيامة، لهذا وجد اليهود في دعوة المسيح هدمًا لكل ما شيدوه على مدار التاريخ، فقاوموا دعوته أشد مقاومة، ووقفوا في وجهها وقفة شرسة، وما زالوا بالمسيح يطاردونه، ويرموه بالزور والبُهت حتى دفعوا به إلى يد الجلاد وساقوه إلى ساحة الموت [1] لولا عناية الله به.
نعود مرة أخرى إلى الحديث عن الجنّة والنار، إنهما كلمتان تثيران في النفس كثيرًا من المشاعر، وتبعثان في الذهن صُورًا وأحداثًا شتى، تتفاوت بقدر مفهوم اللفظين، فمن النعيم الوارف والنسيم الهفاف، والبرودة، والنشوة، وحرارة الحياة، ولذة العيش، إلى مخيم النيران، وأصوات المستغيثين، وصراخ المعذبين، وروائح المحترقين، ولفح اللهيب، والإحساس بالألم المضني، وانشغال المرء في التفكير في كيفية الخلاص من هذا الوضع الرهيب.
الجنّة والنار دار قرار العباد، بعد أن خلص الحساب و إنتهى، وقضى الرحمن فيمن صدّق رُسله واستجاب لدعوته، وآمن به، وبين من حارب رُسله، وأنكر دينه، وكفر به.
من الأمور العجيبة، والملفتة للنظر، والداعية للتفكير:
أن لفظ الجنّة بكل مفرداتها وردت في القرآن الكريم 154 مرة.
(1) أنظر، قضية الألوهية: عبد الكريم الخطيب، ص 344.