الصفحة 185 من 273

إن الجزاء الفوري هو مناولة يد بيد، فليس فيه مخاطرة كالتي تقع في بيع العاجل بالآجل، وكون الآجل أضعافًا مضاعفة للعاجل، لا يُرفع عنه خطر المخاطرة، وخاصةً ذلك الآجل الطويل الذي يمتد أزمانًا لا يعرف المرء مداها، والذي تقع فيه أحداث مذهلة لا يمكن التنبؤ بعواقبها، وخاصة أنه حساب يقتضي المرء حسابه عند الموت، وبعد البعث من الموت.

إن الإيمان وحده هو الذي يكفل للجزاء الآجل قيمة، ويجعل له وجودًا يتعامل الإنسان على حسابه، وبغير هذا الإيمان لا يُمكن أن يقبل عاقل بيع درهم عاجل بقناطير آجلة، لأنه لا مُحصّل لها بعد هذا الآجل الطويل، وبعد هذه الأحداث العجيبة إلا إذا كان هناك إيمان وثيق بالبعث وبالجزاء.

والجزاء المؤجل ثوابًا أو عقابًا إنما يتعامل به العقلاء الذين يحكمهم عقلهم أكثر مما تتحكم فيهم شهواتهم، فالطفل يُعطيك كل ما معه حتى ملابسه في سبيل قطعة الحلوى، لأن قطعة الحلوى هذه صالحة لأن تُؤكل في الحال، والصبي غير الطفل، إنه تستبد به شهوة الحلوى الحاضرة كل هذا الاستبداد، فهو يُساوم ويُنازع فيما يأخذ ويُعطي، وهكذا كلما درج الإنسان في مدارج الرشد كلما رجع إلى عقله، وطال النظر والتقدير فيما يعود عليه من ربح أوفر في العاجل أو الآجل.

وإنك لو أُتيح لك أن تتفحص أمر هؤلاء وهؤلاء، وجدت أن أولئك الذين آثروا العاجل على الآجل هم دون من آثروا الآجل على العاجل عقلًا وتقديرًا للأُمور، إنهم ما زالوا في دور الطفولة، وإن كانوا في صورة الرجال.

أنظر إلى الرسالات السماوية الثلاث، تجد دعوتها إلى العمل للآخرة، وانتظار الجزاء الحسن فيها للأعمال الصالحة، وتوقي العذاب باجتناب مواقع السوء في الدُنيا، تجد أن هذه الدعوة تختلف باختلاف الزمن، وتقدم الحياة الإنسانية، وتدرج العقل نحو الرشد والكمال.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت