فهذه الصفوف الطويلة العريضة التي تملأ وجه الأرض من أولئك المرضى والزّمنى الذين رمتهم الحياة بالآفات منذ وُلدوا، ومن أولئك المحرمون والمقهورين والمظلومين الذين استبد بهم الأقوياء وتسلط عليهم الظالمون، هذه الصفوف لا تجد في حياتها ملاذًا تلوذ به، ولا مالًا تتحول إليه، ولولا أنها ترمي بأبصارها إلى ما بعد هذه الحياة، ولولا أنها تأمل فيما تلقى من تعويض في هذا اليوم، يوم القيامة لاستبدّ بها اليأس، ولجثم على صدرها همٌّ ثقيلٌ، وبلاءٌ عظيمٌ.
ولكن ماذا لو وقع الجزاء في الدُنيا؟
ونحن نسأل على أي وجه يُسوّى هذا الحساب؟
الفقير ينال نصيبه من الغني، والمريض يُلبس ثوب العافية، والمقتول يعود إلى الحياة ليقتل قاتله، والمظلوم يُصبح ظالمًا، والمغلوب يُمسي غالبًا.
فأي حياة هذه الحياة، إنها ليست الحياة التي يصلح فيها شأن الناس، ويتحرك فيها وجودهم.
ماذا يكون لو أن المحسن وجد جزاء إحسانه حاضرًا فوريًا، إنه يتحول من محسن يُقدر الإحسان ويحترم الفضيلة ويعشق الخير إلى تاجر يبيع بالدراهم والدنانير.
وكذلك المسيء الذي يرتكب المنكرات، من قتل، وسرقة، واعتداء على الناس، واستباحة دمائهم وأموالهم، إنه لو وجد عقابه فوريًا لما أقدم على شيء من هذا، لأنه يعلم أن عين السماء تراه، وأن يدها لا تقصر عنه، وأنه لو كان عقابها معجلًا لبادره العقاب بعد أن يفرغ من جُرمه وقبل أن يبرح مسرح جريمته.
ما الحياة، وما طعمها، إذا خلت من الشرور، إنها لن تكون حياة الناس، ولا دنيا البشر، بل هي حياة الملائكة، أو عالم الجماد، والناس ليسوا ملائكة ولا جمادًا، وإنما هم بشر، فيهم المسيء، وفيهم المحسن، ومنهم الطيب، ومنهم الخبيث، الإنسان ذاته يُحسن ويُسيء، وليس في الناس الطيب المحصن ولا الخبيث الخالص، وإنما الناس هذا وذاك، والإنسان من هذا ومن ذاك.