الصفحة 194 من 273

ولا شك أن العقاب هو أُسلوب الحياة في روع الناس عند ارتكاب الشرور، كما أن الثواب هو أُسلوب الحياة أيضًا في دعوة الناس إلى الخير، وإغرائهم به، فإذا أُضيف الثواب والعقاب إلى قوة عالية قاهرة، لا يفلت منها أحد، ولا تخفى عليها خافية، كانت مفعولية الثواب والعقاب ذات آثار بالغة، وكان سُلطانها على النفوس سُلطانًا متمكنًا من الأشرار والأخيار جميعًا.

لقد أفسح الرُهبان للخيال في توليد الصُور الطيبة لما في الجنّة، وفي توليد الصُورة البشعة المُهولة لما في النار، حتى قيل أنها نقلت جهنم بكل ما ألقت من خيال إلى واقع محسوس، يعيش بين الناس، فاغرًا فاه لابتلاع الآثمين ومرتكبي الخطايا.

لقد استعان رجال الدين بالفنون الجميلة، وخاصة الرسم والنحت في تزيين أسقف الكنائس، وجدرانها بصُور رائعة مُخيفة من مشاهد العذاب يوم القيامة، وقد استجاب الفن لهذه الدعوة، فأخرج للناس أفجع مأساة عرفتها الإنسانية في تاريخها الطويل [1] .

الإسلام وعذاب الآخرة:

إن الإسلام رسم صُورة مجسدة ليوم القيامة، أبرز فيها كل لون مُخيف مُفزع، حتى تنفر منها النفوس، وتضمر الكراهية لها، فتعمل على ما يُبعد عنها ويُجنب الوقوع فيها، ولقد رأينا كيف صنع الإسلام لهذا، فلم يدع من صُور التهويل و التخويف بهذا اليوم شيئًا إلا صورته في دقة ووضح، وإلا وضعته موضع التهييج والإثارة.

ومما عُرف عن أسلافنا الأخيار أنهم كانوا إذا مروا بآية عذاب اضطرب لها كيانهم وتشققت لها صُدورهم، وفاضت أعينهم من الدمع حزنًا [2] .

قال تعالى: {لَا يَصْلَاهَا إِلَّا الْأَشْقَى، الَّذِي كَذَّبَ وَتَوَلَّى} (الليل: 14 - 16) .

(1) أنظر، قضية الألوهية: عبد الكريم الخطيب، ص 374.

(2) المصدر السابق: ص، 43.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت