جميعنا يعلم أن الدين المسيحي دين رقة ورأفة، ولكن رجال الدين والوعاظ الكاثوليك، والبروتستنت في القرون الوسطى كانوا يشعرون أن من الواجب عليهم أن يُروِّعوا الناس بأهوال الجحيم، وكان في الكنائس في هذا الوقت رموز من نوع ما يُمثل المسيح في صُورة قاضٍ وكان في الكثير منها صُور ليوم الحساب، كمثل ضُروب التعذيب التي يلقاها الملعونون تمثيلًا أشد وضوحًا من النعيم الذي يتمتع به السُعداء المقربون في الجنّة.
كان كثير من متصوفة المسيحية يدّعون أنهم رأوا في أحلامهم صُورًا للنار، وقد وصفوها وصفًا جغرافيًا، وصوروا ما فيها من عذاب، ونقل إلينا الراهب (تنديل) من رُهبان القرن الثاني عشر، تفاصيل دقيقة لها، فقال: إن في وسط الجحيم يُرى الشيطان مشدودًا إلى مشواة ملتهبة من الحديد بسلاسل حمراء من شدة الحرارة لا ينقطع له صراخ من فرط الألم، ويداه طليقتان، يمدها ليقبض بها على العُصاة المذنبين، يُحطمهم بأسنانه كما يُحطم العنب، وأنفاسه النارية تجذبهم إلى حلقه الملتهب، ويقذف أعوانه من الشياطين أجسام المذنبين بخطاطيف من الحديد في النار مرة، وفي الماء الزمهرير مرة أخرى، أو يُعلقونهم من ألسنتهم، أو ينشرون أجسامهم بالمناشير، أو يطرقونها بالمقامع على سندان، أو يُلقونها في النار، أو يعصرونها حتى تُصفّى من قطعة من النسيج، وكان الكبريت يُمزج بالنار حتى تزيد رائحته الكريهة من عذاب الآثمين، ولأنه ليس للنار ضُوء فإن الظُلمة المروعة تُنشيء هذه الآلام المختلفة التي لا يُحصى لها عد.
أما الكنيسة نفسها، فلم يصدر عنها رسميًا قول يُحدد مكان النار، أو يصفها، ولكنها كانت تُعلن سخطها على الذين يرتابون في حقيقة نيرانها المادية.