الصفحة 212 من 273

وكما ذكرنا سابقًا، وردت لفظة الجنّة بكل مشتقاتها في القرآن الكريم 154 مرة، نفس عدد ورود لفظة النار، وهذا من الإعجاز العددي للقرآن الكريم [1] .

فالجنّة ما يصير إليه المسلمون في الآخرة وهو ثواب مستور عنهم اليوم، وسُميت جنة لأن الشجر فيها يستر بعضه بعضًا [2] .

وكما تحدث السابقون على الإسلام (من أهل الأديان الأخرى) عن الجحيم، كذلك تحدثوا عن النعيم.

إن هذا النعيم الأُخروي على ما تصوره الناس على مراحل تاريخ الإنسانية، هو واحة الآمال، والأحلام التي امتلأت بها الصُدور في الحياة الدُنيا، فلم تسعف الأيام بتحقيقها، ولم تسعد الأموال بالحصول عليها.

من أجل ذلك كان هذا النعيم على حسب ما تصوره المؤمنون به نعيمًا تتحقق فيه كل أحلام الناس، وآمالهم، ينالون منه كل ما عز عليهم أن ينالوه في الدُنيا، من أجل هذا كانت الجنّة في كثير من الديانات صُورة مُشرقة عن صُور الحياة الدُنيا التي رضي عنها الناس، وعملوا لها، وطمعوا فيها.

فمثلًا المصريون القُدماء (الفراعنة) ينظرون إلى الجنّة على أنها دار الجزاء الحسن لمن عملوا الصالحات في الدُنيا، ولم يُسيئوا إلى الناس بالقول أو بالعمل، فإذا ماتوا عُرضوا على (أوزوريس) الذي يجلس بين الآلهة للفصل في قضايا الأموات، فمن رجحت سيئاته على حسناته أُلقي به إلى الوحش (أمابيت) ليفترسه، ومن رجحت حسناته على سيئاته أُخذ به إلى حيث الآلهة وصعدت رُوحه إلى السماء، وأما إذا تعادلت حسناته وسيئاته فلا يفترسه الوحش، ولا ينضم إلى الآلهة بل يُعيَّن للخدمة.

هذا ونعيم الآخرة في العقيدة المصرية القديمة نعيم أبدي خالد، ومن هنا كان استخفاف الفراعنة بالحياة الدُنيا إلى جانب الحياة الآخرة التي أعطوها كل ما يملكون من ملكات عقلية، ومواهب نفسية، وقدرات جسدية.

(1) انظر؛ من آيات الإعجاز في القرآن الكريم: حسني العطار، ص 236.

(2) أنظر، ابن فارس: معجم مقاييس اللغة، ص 1/ 421.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت