الصفحة 40 من 273

فمن ثم أمسك المسلمون عن استفزاز واستثارة الترك فسلِموا من غائلتهم، إلى أن خالفوا التوجيه النبوي، قال ابن كثير رحمه الله تعالى:"وقد قتل جنكيز خان من الخلائق ما لا يعلم عددهم إلا الذي خلقهم، ولكن كان البُداءة من (خوارزم شاه) فإنه لما أرسل جنكيزخان تجارًا من جهته معهم بضائع كثيرة من بلاده، فانتهوا إلى إيران، فقتلهم نائبها من جهة (خوارزم شاه) وأخذ جميع ما كان معهم، فأرسل (جنكيز خان) إلى (خوارزم شاه) يستعلمه: هل وقع هذا الأمر عن رضًا منه، أو أنه لا يعلم به، فأنكره وقال فيما أرسل إليه: من المعهود من الملوك أن التجار لا يُقتلون، لأنهم عمارة الأقاليم، وهم الذين يحملون إلى الملوك ما فيه التحف والأشياء النفيسة، ثم إن هؤلاء التجار كانوا على دينك، فقتلهم نائبك، فإذا كان أمرًا أمرت به، طلبنا بدمائهم، وإلا فأنت تُنكره وتقتص من نائبك، فلما سمع (خوارزم شاه) ذلك من رسول (جنكيز خان) لم يكن له جواب سوى أنه أمر بضرب عنقه، فأساء التدبير، وقد كان خرَّف، وكبرت سنه، وقد ورد حديث: (اتركوا الترك ما تركوكم) ، فلما بلغ ذلك (جنكيز خان) تجهز لقتاله، وأخذ بلاده، فكان بقدر الله تعالى ما كان من الأمور التي لم يُسمع بأغرب منها، ولا أبشع" [1] .

فهنا نرى أن المسلمين لما خالفوا أمر النبي صلى الله عليه وسلم بترك الترك، جاءت العاقبة عنيفة مريرة حيث اجتاح التتار ديار الإسلام في كارثة لم يسبق لها مثيل في التاريخ.

(1) أنظر، البداية والنهاية: ابن كثير، ص 13/ 125.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت