فقوله تعالى: {قُلْ إِنَّمَا عِلْمُهَا عِنْدَ رَبِّي} ، وقوله عز وجل: {إِلَى رَبِّكَ مُنْتَهَاهَا} ، فيه إيذان بأن ما هو من شأن الرب لا يكون للعبد، فهو تعالى قد رباه ليكون منذرًا ومبشرًا، لا للإخبار عن الغيوب بأعيانها وأوقاتها، والإنذار إنما يُناط بالإعلام بالساعة، وأهوالها، والنار وسلاسلها، وأغلالها ولا تتم الفائدة منه إلا بإبهام وقتها، ليخشى أهل كل زمان إتيانها فيه، والإعلام بوقت إتيانها، وتحديد تاريخها يُنافي هذه الفائدة، بل فيه مفاسد أخرى، فلو قال الرسول صلى الله عليه وسلم:"إن الساعة تأتي بعد ألفي سنة من يومنا هذا"مثلًا، وألفا سنة في تاريخ العالم، وآلاف السنين، تُعد أجلًا قريبًا، لرأى المكذبين يستهزئون بهذا الخبر، ويُلحون في تكذيبه، والمرتابين يزدادون ارتيابًا، حتى إذا ما قَرُب الأجل، وقع المؤمنون في رعب عظيم يُنغّص عليهم حياتهم، ويوقع الشلل في أعضائهم، والتشنج في أعصابهم، حتى لا يستطيعون عملًا، ولا يسيغون طعامًا ولا شرابًا، ومنهم من يخرج من ماله وما يملكه في حين يكون الكافرون آمنين، يسخرون من المؤمنين.
فالحكمة البالغة إذن في إبهام أمر الساعة للعالم، وكذا الساعة الخاصة بأفراد الناس، أو الأمم والأجيال، جعلها من الغيب الذي استأثر الله تعالى به [1] .
وقوله تعالى: {لَا يُجَلِّيهَا لِوَقْتِهَا إِلَّا هُوَ} معناه: لا يكشف حجاب الخفاء عنها، ولا يُظهرها في وقتها المحدد عند الرب تعالى إلا هو، فلا وساطة بينه وبين عباده في إظهارها، ولا في الإعلام بميقاتها، وإنما وساطة الرسل عليهم السلام في الإنذار بها [2] .
(1) أنظر، تفسير المنار، محمد رشيد رضا، ص 9/ 466.
(2) المصدر السابق: ص 13/ 466.