شرف بالنبوة، أي عز وشرف ونسب أفضل من هذا؟! نرى هذا النبي الكريم يبتلى بفقد فلذة كبده وأحب بنيه وأقربهم إلى قلبه، ونرى المحبطات تحيط به من كل جانب، ولم يترك أبناؤه بابًا من أبواب الأمل في رجوع الابن المفقود إلا وأوصدوه بإحكام حتى ييأس ويستسلم للأمر الواقع؛ فقد أخبروه أن الذئب قد افترسه وجاؤوا بالبرهان، ولكنه لم يستسلم لليأس ولم يكف عن الدعاء طوال تلك السنين الطوال، علم أن الله موجود وأنه قادر على إرجاع ابنه المفقود، ولم يستمع إلى الخلق، نراه يظهر بمظهر المستعين بالله على هذا المصيبة صابرًا على البلاء، ولكن بأي صورة من الصبر؟ إنه الصبر الجميل الذي لا يخالطه جزع ولا شكوى، فنراه ينطق بهذا القول الرائع: {فصبر جميل والله المستعان على ما تصفون} [يوسف: 18] ) [1] .
وتتجلى صور صبره وأمله العظيم في استرجاع يوسف وأخيه أيضًا؛ فالمصيبة الثانية زادته أملًا وتعلقًا بالله، ولم تحبطه وتدفعه لليأس؛ تظهر هذه الصورة في قوله لبنيه: {عَسَى اللهُ أَنْ يَاتِيَنِي بِهِمْ جَمِيعًا إِنَّهُ هُوَ الْعَلِيمُ الْحَكِيمُ} ، ويتضح دعاؤه وشكواه إلى الله في قوله: {إِنَّمَا أَشْكُو بَثِّي وَحُزْنِي إِلَى اللهِ} ، وتفاؤله وحسن ظنه بربه وتعلقه العظيم برحمته يظهر في حواره الوقور الهادئ مع بنيه بقوله لهم: {يَا بَنِيَّ اذْهَبُوا فَتَحَسَّسُوا مِنْ يُوسُفَ وَأَخِيهِ وَلا تَيْئَسُوا مِنْ رَوْحِ اللهِ إِنَّهُ لا يَيْئَسُ مِنْ رَوْحِ اللهِ إِلا الْقَوْمُ الْكَافِرُونَ} .
تأملوا معي أخوتي تلك الثقة في الله وقدرته وعطفه، ثم تأملوا هذه
(1) مع الأنبياء في القرآن.