ولم يقل أحد من العلماء أنه يتحرى الدعاء متوجهًا إلى قبره، بل إن الصحابة كانوا يدعون في مسجده، ولا يقصدون الدعاء عند الحجرة [1] ، لا مستقبلي القبر ولا مستدبريه. والحكاية المروية عن مالك أنه أمر المنصور أن يستقبل الحجرة وقت الدعاء كذب على مالك رحمه الله.
والنبي - صلى الله عليه وسلم - يُبَلَّغ سلام من سلَّم عليه، تبلغه إياه الملائكة، لا أنه يسمع ذلك بأذنيه كما كان في حال حياته. إذ ليس لأحد من البشر بعد موته أن يسمع أصوات العباد من قرب أو بُعد، فضلًا عن أن يعلم نياتهم وخواطرهم إلا إذا كان ذلك السماع معجزة للنبي - صلى الله عليه وسلم - وهذا يتوقف على الدليل المعين لذلك، ومن قال هذا في بشر فقوله من جنس قول النصارى الذين يقولون إن المسيح هو الله وأنه يعلم ما يفعله العباد ويسمع أصواتهم ويستجيب دعاءهم، لا بل الذي يسمع السر والنجوى إنما هو الله رب العالمين.
قال تعالى: {أَمْ يَحْسَبُونَ أَنَّا لَا نَسْمَعُ سِرَّهُمْ وَنَجْوَاهُمْ بَلَى وَرُسُلُنَا لَدَيْهِمْ يَكْتُبُونَ} [الزخرف: 80] .
ودعوى أن النبي - صلى الله عليه وسلم - يعلم ويسمع ويعرف النيات والخواطر والأحوال بعد موته غلو غير مقبول وإطراء للنبي - صلى الله عليه وسلم - وتعظيم له ورفع له فوق منزلته، فالنبي - صلى الله عليه وسلم - يوصف بأنه ميت وجسده باق وأن الله حرم على الأرض أن تأكل أجساد الأنبياء ولا يتعدى الأمر ذلك، كأن يوصف النبي - صلى الله عليه وسلم - بأنه يسمع أو يعلم أو يطلع على النيات والخواطر
(1) انظر: «فتاوى شيخ الإسلام» ج 26/ 146، 147، ج 27/ 117، ج 1/ 230.