الصفحة 20 من 50

كان على راحلته بأرض فلاة فانفلتت منه وعليها طعامه وشرابه» فلتت منه ناقته وندَّت عنه فذهب يبحث عنها، صعد الجبال نزل الوديان، يبحث يمينًا وشمالًا فلم ير لها أثرًا، وعلى هذه الدابة طعامه وشرابه وكساؤه!! أين هو؟! في صحراء ما بها أحد ينقذه ولا بشر يساعده!! «فآيس منها فأتى شجرة فاضطجع في ظلها, قد أيس من راحلته فبينا هو كذلك» ينتظر ماذا؟ إنه ينتظر الموت!! إذ به يرفع رأسه «إذا هو بها قائمة عنده» وعليها طعامه وشرابه وكساؤه!! تخيلوا معي ـ إخوتي وأخواتي ـ: أيّ فرحة ستتملّك قلب ذلك العبد حينما يكون حاله كهذه الحال؟!! إنها فرحة عظيمة ... إنها حياة جديدة ... «فأخذ بخطامها ثم قال من شدة الفرح: اللهم أنت عبدي وأنا ربك!! أخطأ من شدة الفرح!!» [1] .

إن الفرح قد تملك قلبه، وأطاش لبَّه حتى نسي وغلط فَقَلَبَ، وقال: أنت عبدي وأنا ربك!!

إن هذه الفرحة الكبرى في قلب ذلك العبد الناجي من الهلاك لا تساوي شيئًا أما فرحة الله ـ جل في علاه ـ بتوبة عبده إذا جاءه تائبًا نادمًا!!

الله أكبر!! إنه كرم الله وجوده، وعطفه وامتنانه. فلا عذر ـ بعد ذلك ـ لأحد أن يبتعد وأن يتردد عن القرب من الكريم الجواد ـ جلّ في علاه ـ.

كيف والله يقول كما جاء في الحديث القدسي الثابت في صحيح مسلم من حديث أبي هريرة ـ رضي الله عنه ـ يقول الله الكريم الغني عن عباده: «من تقرب مني شبرًا تقربت منه ذراعًا، ومن تقرب مني ذراعًا تقربت منه باعًا، ومن أتاني يمشي أتيته هرولة!!» [2] القائل هو الله!! أتخيّلت ذلك؟!!

وعند البخاري «وما يزال عبدي يتقرب إلىَّ بالنوافل حتى أحبّه!! فإذا أحببته كنت سمعه الذي يسمع به، وبصره الذي يبصر به، ويده التي يبطش بها، ورجله التي يمشي بها، وإن سألني لأعطينه، ولئن استعاذني لأعيذنّه. وما ترددت عن شيء أنا فاعله ترددي عن نفس المؤمن يكره الموت وأنا أكره مساءته!!» [3] .

فاللهم ارزقنا حبك وحب من يحبك وحب العمل الذي يقرب إلى حبك، واجعلنا من أحبابك وصفوة أوليائك.

الثمرة الرابعة من ثمار التوبة

الأمن من الفزع الأكبر يوم القيامة والتنعم

بالجنة والنجاة من النار

أيها الإخوة والأخوات: إن أمامنا يومًا لا مفر منه، ولا محيص عنه. وإن أمامنا موقفًا لابد منه. إنه يوم تبدل فيه الأرضُ غير الأرض

(1) رواه البخاري، كتاب الدعوات، باب التوبة، حديث رقم (6308) .

(2) رواه مسلم، كتاب الذكر والدعاء، باب فضل الذكر الدعاء، حديث رقم (2687) .

(3) رواه البخاري، كتاب الرقاق، باب التواضع، حديث رقم (6502) .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت