الصفحة 28 من 52

أما غلمان الصحابة رضي الله عنهم أجمعين فطموحاتهم الجنة، وأملهم في رضاء الله عز وجل، والغضب لله عز وجل إذا ما انتهكت محارمه، والدعوة إلى الله عز وجل؛ لأنهم يعرفون أنهم ما خلقوا إلا لذلك؛ فلزموا ما عرفوا رضي الله عنهم أجمعين. وأسوق إليك قصة غلامين من غلمان الصحابة رضي الله عنهم، ألا وهما ابنا عفراء في غزوة بدر الكبرى؛ فقد جاء في الصحيحين من حديث عبد الرحمن بن عوف رضي الله عنه قال: «بينا أنا واقف في الصف يوم بدر فنظرت عن يميني وعن شمالي فإذا أنا بين غلامين من الأنصار حديثة أسنانهما، تمنيت أن أكون بين أضلع منهما، فغمزني أحدهما فقال: يا عم، هل تعرف أبا جهل؟ قلت: نعم، ما حاجتك إليه يا ابن أخي؟ قال: أُخبرت أنه يسب رسول الله - صلى الله عليه وسلم -، والذي نفسي بيده لئن رأيته لا يفارق سوادي سواده حتى يموت الأعجل منا. فتعجبت لذلك، فغمزني الآخر فقال لي مثلها، فلم أنشب أن نظرت إلى أبي جهل يجول في الناس، قلت: ألا إن هذا صاحبكما الذي سألتماني. فابتدره بسيفيهما فضرباه حتى قتلاه، ثم انصرفا إلى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فأخبراه فقال: «أيكما قتله؟» . قال كل منهما: أنا قتلته، فقال: «هل مسحتما سيفيكما؟» قالا: لا، فنظر في السيفين فقال: «كلاكما قتله» [1] .

فانظر يا أخي إلى طموحات وتطلعات أبناء الصحابة رضي الله عنهم أجمعين؛ هممهم عالية يسألون عن رأس الكفر وفرعون هذه الأمة أبي جهل - لعنه الله تعالى - يريدان أن يقضيا عليه، فما هو السبب في ذلك؟ السبب هو أنهما قد أخبرا أنه يسب الرسول - صلى الله عليه وسلم -. انظر يا أخي: أخبرا، بلغهما ذلك ولم يسمعاه بنفسيهما فقاما غضبا لله عز وجل ولرسوله - صلى الله عليه وسلم -، فما أعظم تلك الهمم وما أكبر تلك العزائم والطموحات؛ فهم حقًا الصغار الكبار، صغار في الأعمار والأجسام ولكنهم كبار في الهمم والمطالب والعزائم. وكما قال أحدهم:

وإذا كانت النفوس كبارا ... تعبت في مرادها الأجسام

هذا فيما يتعلق بالصغار، أما الكبار منا فما هي طموحاتهم وأمانيهم وتساؤلاتهم؟

إن أقصى أماني الكثير منا - إلا من رحم الله - مدارها على هذه الحياة الدنيا وجمع حطامها والتكثر منها، أما الأسئلة فهي: هل بنينا البيت؟ هل أحضرنا جميع الكماليات؟ هل اشترينا السيارة؟ هل بنينا المزرعة والاستراحة؟ هل ... هل ... ؟ كلها اهتمامات دنيوية، وهذا أمر لا حرج فيه ولكن العجب أنه لا حظ للآخرة منها، بل لربما وقعت البلايا والفتن في ديننا ومع ذلك لا نهتم لذلك ولا نكترث، فنخشى والله أن يحق علينا قول النبي - صلى الله عليه وسلم: «تعس عبد الدينار، وعبد الدرهم، وعبد الخميصة؛ إن أعطي رضي وإن لم يعط سخط، تعس وانتكس وإذا شيك فلا انتقش» [2] ، أما التفكير في أمر الإسلام والمسلمين، ونشر دين الله عز وجل، والسعي لإعلاء كلمة الله عز وجل، والدعوة إلى توحيد الله عز وجل - وهو الأمر الذي خلقنا من أجله - فهذا كله قل رصيده عندنا فلا نصرف

(1) متفق عليه. البخاري (3141) واللفظ له، ومسلم (1752) .

(2) رواه البخاري في الجهاد والسير (2887) .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت