الصفحة 57 من 75

الضرب الثالث: التخفيفات والمباحات وما أبيح له - صلى الله عليه وسلم - دون غيره نوعان:

أحدهما: لا يتعلق بالنكاح، فمنه الوصال في الصوم، واصطفاء ما يختاره من الغنيمة قبل القسمة من جارية وغيرها، ويقال لذلك المختار الصفي، والصفية، وجمعها صفايا، ومنه خمس (خمس الفيء) والغنيمة، وأربعة أخماس الفيء، ودخول مكة بلا إحرام، وإباحة القتال فيها ساعة دخلها يوم الفتح، وله أن يقضي بعلمه، وفي غيره خلاف، ويحكم لنفسه وولده، ويشهد لنفسه وولده. ويقبل شهادة من يشهد له، ويحيى الموات لنفسه [1] ، ولا ينتقض وضوؤه بالنوم مضطجعًا. وذكر بعض أصحابنا في انتقاض وضوئه بلمس المرأة وجهين (الأصح) المشهور الانتقاض [2] .

وفي إباحة مكثه في المسجد مع الجنابة وجهان لأصحابنا، قال أبو العباس بن القاس في التلخيص: يباح، وقال القفال وغيره: لا يباح، وغلط إمام الحرمين وغيره صاحب التلخيص في الإباحة.

وقد يحتج للإباحة بحديث عطية عن أبي سعيد، قال: قال النبي - صلى الله عليه وسلم: «يا علي لا يحل لأحد يجنب في هذا المسجد غيري وغيرك» . قال الترمذي: (هذا) حديث حسن، وقد يعترض على هذا الحديث بأن عطية ضعيف عند الجمهور، ويجاب بأن الترمذي حكم بأنه حسن فلعله اعتضد بما اقتضى حسنه [3] .

وأبيح له أخذ الطعام والشراب من (مالكهما) المحتاج إليهما إذا احتاج هو - صلى الله عليه وسلم - إليهما، ويجب على صاحبهما البذل له - صلى الله عليه وسلم - وصيانة مهجته - صلى الله عليه وسلم - (بمهجته) قال الله تعالى: {النَّبِيُّ أَوْلَى بِالْمُؤْمِنِينَ مِنْ أَنْفُسِهِمْ} [جزء من الآية 6 سورة الأحزاب] . واعلم أن معظم هذه المباحات لم يفعلها - صلى الله عليه وسلم - وإن كانت مباحة له. والله أعلم.

النوع الثاني:

متعلق بالنكاح، فمنه إباحة تسع نسوة، والصحيح جواز الزيادة له - صلى الله عليه وسلم - ومنه انعقاد نكاحه بلفظ الهبة على الأصح، والأصح انحصار طلاقه في الثلاث، وقيل: لا ينحصر، وإذا عقد نكاحه بلفظ الهبة لا يجب مهر بالعقد ولا بالدخول بخلاف غيره

ومنه انعقاد نكاحه بلا ولي ولا شهود، وفي حال الإحرام [4]

(1) المراد بهذا استصلاح الأرض الميتة ونحوها.

(2) الصواب أن مس المرأة لا ينقض الوضوء، وهذا عام للنبي - صلى الله عليه وسلم -، ولغيره من أمته، ولو كان المس بشهوة لما ثبت عن عائشة رضي الله عنها أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم -، قبل بعض نسائه ثم خرج إلى الصلاة ولم يتوضأ، رواه أبو داود (178) والترمذي (86) وابن ماجه (502) وصححه العلامة الألباني.

(3) الحديث ضعيف، ففي سنده عطية العوفي، صدوق يخطئ وهو شيعي مدلس، كما قال في التقريب، وجرحه غير واحد من الأئمة، وقد ألمح الترمذي (3727) لضعف هذا الحديث حيث قال بعده: هذا حديث غريب، لا نعرفه إلا من هذا الوجه، وسمع مني محمد بن إسماعيل هذا الحديث فاستغربه». اهـ. وممن ضعف هذا الحديث المحدث العلامة الألباني.

(4) في مسألة انعقاد النكاح في حال الإحرام: يظهر أن المؤلف اعتمد على قول من قال إنه - صلى الله عليه وسلم - تزوج ميمونة حال الإحرام، والصواب أنه - صلى الله عليه وسلم - تزوج ميمونة وهو حلال - غير محرم - لقول ميمونة نفسها، ولقول أبي رافع وهو السفير بينهما، وهو في هذا مثل أمته - صلى الله عليه وسلم -، كما هو الأصل. وانظر: «زاد المعاد» 1/ 113.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت