فهرس الكتاب

الصفحة 10 من 31

رابعًا: النهي عن إزعاجه صلى الله عليه وسلم:

لم يكن النبي صلى الله عليه وسلم يحتجب عن الناس قط إلا لحاجة لا يسعه إهمالها سواء أكانت لإصلاح شأن أهله أو بيته أو نفسه فيما بينه وبين الله عز وجل، فكان - والحال كذلك - من سوء الأدب أن يقوم أحد من الناس بإزعاجه صلى الله عليه وسلم في هذه الأوقات الخاصة اليسيرة، وكان من سوء الأدب التطاول على خلوته صلى الله عليه وسلم بأهله لأمر ليس ذي بال، كما حصل من الأقرع بن حابس - من وفد بني تميم - حين نادى النبي صلى الله عليه وسلم من وراء حجرات أزواجه صلى الله عليه وسلم فقال: إن مدحي زين وإن ذمي شين [1] . فأي أمر هذا الذي يزعج النبي صلى الله عليه وسلم لأجله، ولذلك جاءت الآيات ناهية عن مثل هذا ومنبهةً إلى السلوك اللائق وهو انتظار النبي صلى الله عليه وسلم حتى يخرج للمسلمين حين يكون مستعدًا لهم متفرغًا لهم وغير منشغلٍ عنهم بأمور أخرى فإن ذلك أدعى لتحقيق مصالح المسلمين من جهة ومراعاة احترام النبي صلى الله عليه وسلم من جهة أخرى، ولذلك قال تعالى:"ولو أنهم صبروا حتى تخرج إليهم لكان خيرًا لهم" [2]

هذه جملةٌ من الآداب التي تضبط تعامل المجتمع المسلم مع الجهة المشرِّعة ومع شخص الرسول صلى الله عليه وسلم، ورغم ما في بعض هذه الآداب من خصوصياتٍ متعلقة بالنبي صلى الله عليه وسلم إلا أنها تحدد للمجتمع المسلم إطارًا أدبيًا وسلوكيًا يضبط التعامل مع رموز السلطة الإسلامية بما يحفظ للدولة الإسلامية هيبتها، فنحن إذا نظرنا إلى اجتماع دور النبوة ودور القيادة في شخص النبي صلى الله عليه وسلم تبين لنا أن لأئمة وحكام الأمة الشرعيين نصيب من هذه الآداب باعتبار جهة القيادة والإمامة التي هي موضوعة - كما قال الإمام الماوردي - لخلافة النبوة في حماية الدين وسياسة الدنيا به [3] ، وإنما ذكرت هذا لئلا يتوهم أو يوهم البعض بأن هذه الآيات والآداب قد طويت في سياقها التاريخي ولم يعد لها أثرٌ ملزم بعد وفاة النبي صلى الله عليه وسلم وقد بينَّا في ثنايا الكلام المتقدم نقيض هذه الأوهام فلله الحمد وعليه التكلان.

(1) الجامع لأحكام القرآن - القرطبي - 262م16 بتصرف

(2) سورة الحجرات - آية 5

(3) الأحكام السلطانية - الماوردي - 5

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت