ثانيًا: معيار التفاضل بالتقوى:
بعد تقرير التساوي في النسبة الطينية ونقض التفاضل على أساسها كان من الطبيعي أن تنبه الآية على معيار التفاضل المعتبر شرعًا فقال تعالى:"إن أكرمكم عند الله أتقاكم" [1] وقد جاء في الحديث الصحيح عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم:"إن الله لا ينظر إلى صوركم وأموالكم ولكن ينظر إلى قلوبكم وأعمالكم" [2]
وهنا أمر مهم جدًا وهو أنه لما كان معيار التفاضل المعتبر شرعًا هو التقوى ختمت الآية بقوله تعالى:"إن الله عليم خبير" [3] لتنبه إلى أن الله تعالى هو الذي يعلم المتقين من غيرهم، فقطعت بذلك الطريق على أي فرد يريد أن يتفاضل على غيره ولو في هذا المعيار، إذ ليس المقصود من تحديد التقوى معيارًا للتفاضل أن يهزأ الناس بعضهم ببعض أو يستبيحوا غيبتهم أو لمزهم أو نحو ذلك لأنهم دونهم في التقوى، وإنما المقصود كف الناس عن بعضهم البعض وردهم في التفاضل إلى علم الله تعالى لأنه هو سبحانه وحده الذي يعلم المتقي على الحقيقة من غيره، ولقد جاء ذلك بوضوح تام في سورة النجم حيث قال تعالى:"فلا تزكوا أنفسكم هو أعلم بمن اتقى" [4]
(1) سورة الحجرات - آية 13
(2) صحيح مسلم
(3) سورة الحجرات - آية 13
(4) سورة النجم - 32