فهرس الكتاب

الصفحة 7 من 31

ثانيًا: تحريم رفع الصوت والأمر بغضِّه بين يدي النبي صلى الله عليه وسلم:

ولقد ورد هذا النهي صريحًا في قوله تعالى:"يأيها الذين آمنوا لا ترفعوا أصواتكم فوق صوت النبي" [1] وفهمه الصحابة فهمًا ظاهرًا وتمثلوه سلوكًا عمليًا لازمًا لهم، وتأمل معي هذين النموذجين الذين يجسدان سرعة استجابة وامتثال الصحابة لأوامر الشرع، فبعد حديث ابن أبي مليكة السابق جاء: قال ابن الزبير: فما كان عمر يُسمِع رسول الله صلى الله عليه وسلم بعد هذه الآية حتى يستفهمه [2] قلت: وهذا مبالغة منه رضي الله عنه في امتثال النهي والتزام الأدب معه صلى الله عليه وسلم. ثم انظر إلى النموذج الآخر في هذا الحديث: عن أنس بن مالك رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم افتقد ثابت بن قيس، فقال رجل: يا رسول الله أنا أعلم لك علمه، فأتاه فوجده جالسًا في بيته منكسًا رأسه، فقال: ما شأنك؟ فقال: شرٌ، كان يرفع صوته فوق صوت النبي صلى الله عليه وسلم فقد حبط عمله وهو من أهل النار. فأتى الرجل النبي صلى الله عليه وسلم فأخبره أنه قال كذا وكذا، فقال موسى [3] : فرجع إليه المرة الآخرة ببشارة عظيمة فقال:"اذهب إليه فقل له إنك لست من أهل النار ولكنك من أهل الجنة" [4] ، وهذه المواقف إن دلت على شيء فإنما تدل على لزوم هذا الفهم الظاهر وأن المنهي عنه هو رفع الصوت الحسي حقيقةً، حتى إن الصحابة رضوان الله عليهم ثابروا على هذا الأدب بعد وفاة النبي صلى الله عليه وسلم، فقد روى الحافظ ابن كثير عن أمير المؤمنين عمر بن الخطاب أنه سمع صوت رجلين في مسجد رسول الله صلى الله عليه وسلم قد ارتفعت أصواتهما، فجاء فقال: أتدريان أين أنتما؟ ثم قال: من أين أنتما؟ قالا: من أهل الطائف. فقال: لو كنتما من أهل المدينة لأوجعتكما ضربًا. [5]

وأود أن أشير في هذا المقام إلى أن التوجيه إلى هذا الأدب لا يقتصر على رفع الصوت الحسي في حضرة النبي صلى الله عليه وسلم، لا سيما ونحن نعلم أن من أساليب الخطاب الشرعي التنبيه بالأدنى على الأعلى؛ بمعنى أنه إذا كان مجرد رفع الصوت الحسي محرمًا ومدعاةً لحبوط الأعمال كما هو ظاهر النص فلأن يرفع الإنسان صوت عقله وأفكاره على ما جاء به النبي صلى الله عليه وسلم أشد حرمةً وقبحًا في ميزان الشرع، تأمل معي قول عمر بن الخطاب ذامًا هؤلاء: إياكم وأصحاب الرأي فإنهم أعداء السنة، أعيتهم أن يحفظوها وتفلتت منهم أن يعوها، واستحيوا حين يُسألوا أن يقولوا: لا نعلم، فعارضوا السنن برأيهم، فإياكم وإياهم [6] ، فلا شك أن هذا الأدب الحسي منبهٌ على ما هو فوقه من الآداب، تمامًا كما أن تحريم قول أفٍ للأبوين دالٌ على تحريم ما هو فوقه من ضرب وأذى معنوي وإن لم تصرح به الآية [7]

(1) سورة الحجرات - آية 2

(2) فتح الباري - ابن حجر العسقلاني- 555/ 9

(3) هو موسى بن أنس راوي الحديث عن أنس

(4) فتح الباري - ابن حجر العسقلاني - 566/ 9

(5) تفسير القرآن العظيم - ابن كثير - 491/ 7

(6) الاعتصام - الشاطبي - 79

(7) أعني قوله تعالى:"فلا تقل لهما أفٍ ولا تنهرهما"الإسراء - آية 23

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت