ثالثًا: تحرير أسماء الدين:
لما ردت الآية الناس إلى معيار التقوى وكان من المشاهد ادعاء بعض الناس لأنفسهم مراتب ليست لهم على الحقيقة كان من اللازم بيان مراتب الإيمان والتنبيه على الفرق بين الإسلام والإيمان وأن تحقيق هذه الأسماء لا يكون بالتمني والدعوى وإنما باستكمال المقدمات والأعمال، تأمل معي قوله تعالى:"قالت الأعراب آمنا قل لم تؤمنوا ولكن قولوا أسلمنا ولما يدخل الإيمان في قلوبكم" [1] قال الحافظ ابن كثير:"والصحيح أنهم قوم ادعوا لأنفسهم مقام الإيمان ولم يحصل لهم بعد فأُدبوا وأُعلموا أن ذلك لم يصلوا إليه بعد" [2] ، قلت: ثم بينت السورة ما يلزم لتحقيق مرتبة الإيمان فقال تعالى:"إنما المؤمنون الذين آمنوا بالله ورسوله ثم لم يرتابوا وجاهدوا بأموالهم وأنفسهم في سبيل الله أولئك هم الصادقون" [3] فبدأت الآية بلفظ"إنما"وهو من أساليب الحصر [4] لتحدد من هم المؤمنون الكُمَّل وليقف كل فرد عند حده فلا يدعي لنفسه مرتبة ليست له.
وعلاقة كل ذلك بمسألة الأخلاق تجريد أفراد المجتمع من أي حجة أو ذريعة وهمية للاستعلاء على إخوانهم المسلمين، فيعود كل فرد إلى ملاحظة عيوبه وأخطائه وقصوره فينشغل بذلك عن تتبع عيوب وأخطاء الآخرين وهتك سترهم بألفاظ السخرية والنميمة والغيبة واللمز ونحوه، وهذا البيان الشمولي في السورة ثمرة من ثمار الإعجاز القرآني الفريد.
(1) سورة الحجرات - آية 14
(2) تفسير القرآن العظيم - ابن كثير - 518/ 7
(3) سورة الحجرات - آية 15
(4) البلاغة الوافية - 174