لا شك أن تحرير آداب التعامل مع الله تعالى ومع الرسول صلى الله عليه وسلم باعتبار دوره التشريعي [1] هو الخطوة الأولى في تزكية المجتمع الإسلامي، وهو ما افتتحت السورة الكريمة به تأصيلًا وتأديبًا لجماعة المسلمين، قال تعالى:"يأيها الذين آمنوا لا تقدِّموا بين يدي الله ورسوله واتقوا الله إن الله سميع عليم. يأيها الذين آمنوا لا ترفعوا أصواتكم فوق صوت النبي ولا تجهروا له بالقول كجهر بعضكم لبعض أن تحبط أعمالكم وأنتم لا تشعرون. إن الذين يغضُّون أصواتهم عند رسول الله أولئك الذين امتحن الله قلوبهم للتقوى لهم مغفرة وأجر عظيم. إن الذين ينادونك من وراء الحجرات أكثرهم لا يعقلون. ولو أنهم صبروا حتى تخرج إليهم لكان خيرًا لهم والله غفور رحيم" [2] ولقد تعددت روايات أسباب نزول هذه الآيات ولكنني أقتصر على ذكر بعضها ملتزمًا ما صح من جهة ومقتصرًا على ما يفي بغرض إظهار المسلك التربوي لهذه السورة من جهة أخرى؛
فقد روى ابن أبي مليكة قال: كاد الخيِّران أن يهلكا أبا بكر وعمر رضي الله عنهما، رفعا أصواتهما عند النبي صلى الله عليه وسلم حين قدم عليه ركب بني تميم فأشار أحدهما بالأقرع بن حابس أخي بني مجاشع وأشار الآخر برجلٍ آخر - قال نافع [3] لا أحفظ اسمه - فقال أبو بكر لعمر: ما أردت إلا خلافي. قال: ما أردت خلافك، فارتفعت أصواتهما في ذلك، فأنزل الله:"يأيها الذين آمنوا لا ترفعوا أصواتكم"الآية [4] ، وفي رواية ابن جريج: فنزلت:"يأيها الذين آمنوا لا تقدموا بين يدي الله ورسوله - إلى قوله - ولو أنهم صبروا" [5] ، ولقد وردت - كما قلت - أسباب أخرى لنزول الآيات، ولكن في هذه القصة الصحيحة الثابتة ما يكفي من حيث بيان معالم الأدب في التعامل مع الجهة المشرِّعة عمومًا، وبعض خصائص التعامل مع شخص النبي صلى الله عليه وسلم خصوصًا، كما سنبينه لاحقًا، ولكني أردت التعليق على بعض الأمور الظاهرة في قصة الشيخين أبي بكر وعمر رضي الله عنهما:
1)إن نفس القصة وكونها في تقديم الرأي في تعيين أميرٍ على وفد من الوفود قصة قد يراها البعض هينة غير ذات شأن، ومع ذلك كان الأخذ شديدًا على يد من خرق ضوابط وقواعد الأدب في التعامل مع الله تعالى ورسوله صلى الله عليه وسلم من حيث التقدم بالحديث والرأي قبل بيان الأمر من جهة المشرِّع؛ إن الجرأة على الله تعالى ورسوله صلى الله عليه وسلم غير مقبولة وغير واردة البتة من أي فرد من أفراد المجتمع الذي يجب أن يكون دأبه: من الله الأمر وعلى الرسول البلاغ وعلينا السمع والطاعة.
(1) من المعلوم شرعًا جواز التشريك بين الله تعالى والرسول صلى الله عليه وسلم في الأمور الشرعية بينما يحرم ذلك في الأمور الكونية؛ فلقد ورد في النص الصريح:"ولا يحرمون ما حرم الله ورسوله" (التوبة- 29) فشرَّك بين الله تعالى ورسوله صلى الله عليه وسلم في الأمر الشرعي وهو التحريم، أما المحظور فهو التشريك بينهما في الأمور الكونية كالمشيئة والقدرة، كما ورد في الحديث"أن رجلا من المسلمين رأى في النوم أنه لقي رجلا من أهل الكتاب فقال نعم القوم أنتم لولا أنكم تشركون تقولون ما شاء الله وشاء محمد وذكر ذلك للنبي صلى الله عليه وسلم فقال أما والله إن كنت لأعرفها لكم قولوا ما شاء الله ثم شاء محمد" (صحيح ابن ماجة-الألباني) فنهى عن التشريك في المشيئة وهي أمر كوني.
(2) سورة الحجرات - آية 1 - 5
(3) نافع بن عمر راوي الحديث عن ابن أبي مليكة
(4) فتح الباري - ابن حجر العسقلاني - 565/ 9
(5) فتح الباري - ابن حجر العسقلاني - 567/ 9