الصفحة 50 من 71

وأسوق لك أخيرًا كلام ابن القيم رحمه الله عن قول بعضهم: إن الطب فرض كفاية ... قال رحمه الله:

(وأما فرض الكفاية فلا أعلم فيه ضابطًا صحيحًا؛ فإن كل أحد يدخل في ذلك ما يظنه فرضًا، فيدخل بعض الناس في ذلك علم الطب وعلم الحساب وعلم الهندسة والمساحة، وبعضهم يزيد على ذلك أصول الصناعة كالفلاحة والحياكة والحدادة والخياطة ونحوها، وبعضهم يزيد على ذلك علم المنطق، وربما جعله فرض عين، وبناه على عدم صحة إيمان المقلد، وكل هذا هوس وخبط، فلا فرض إلا ما فرض الله ورسوله.

فيا سبحان الله هل فرض الله على كل مسلم أن يكون طبيبًا حجامًا حاسبًا مهندسًا، أو حائكًا أو فلاحًا أو نجارًا أو خياطًا؟ فإن فرض الكفاية كفرض العين في تعلقه بعموم المكلفين، وإنما يخالفه في سقوطه بفعل البعض.

ثم على قول هذا القائل يكون الله قد فرض على كل أحد جملة هذه الصنائع والعلوم، فإنه ليس واحد منها فرضًا على معين، والآخر على معين آخر، بل عموم فرضيتها مشتركة بين العموم، فيجب على كل أحد أن يكون حاسبًا، أو حائكًا أو خياطًا نجارًا فلاحًا طبيبًا مهندسًا!! فإن قال: المجموع فرض على المجموع، لم يكن قولك: إن كل واحد منها فرض كفاية. صحيحًا، لأن فرض الكفاية يجب على العموم.

وأما المنطق فلو كان علمًا صحيحًا كان غايته أن يكون كالمساحة والهندسة ونحوها، فكيف وباطله أضعاف حقه؟ وفساده وتناقض أصوله واختلاف مبانيه يوجب مراعاتها الذهن أن يزيغ في فكره.

ولا يؤمن بهذا إلا من قد عرفه وعرف فساده وتناقضه ومناقضة كثير منه للعقل الصريح) [1] .

ونقول أخيرًا: إن الغاية لا تبرر الوسيلة، فمن كانت غايته أن يدرس فلا تكن وسيلته محرمة والله المستعان.

أما الإعداد للعدو فنعد لهم ما نستطيع ولكن لا يكون الإعداد في الدخول في هذه العسكرية التي لم تقم إلا لحفظ الكراسي.

ونكتفي بقوله تعالى: (وأعدوا لهم ما استطعتم من قوة) .

(1) 1 - مفتاح دار السعادة 1/ 482

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت