الصفحة 31 من 194

إنما نقول إن النفس البشرية ليست كالمادة الجامدة ، وليست كالنبات أو الحيوان .. وإن معايير المادة ومعايير النبات ومعايير الحيوان لا تصلح ابتداء للحكم على تصرفات الإنسان ، ولا تستطيع تفسير حياته .

ثم نقول بعد ذلك إن دعوى الموضوعية في العلوم الاجتماعية التي يقدمها لنا الغرب دعوى داحضة ، ما دامت تستمد أساسا من التفسير الدارويني للإنسان ، وتلوّن بهذا التفسير كل التجارب وكل الأبحاث ، وتؤثر لا محالة في النتائج الأخيرة المستخلصة من الأبحاث !

ويكفي هذا لاستشعار الحاجة الملحة إلى التأصيل الإسلامي لتلك العلوم .

إذا أمعنا النظر في أحوال أوربا فسنجد أن الفساد الأول في حياتها قد نجم ابتداء من المفاهيم الدينية الخاطئة التي اعتنقتها بدلا من الدين الصحيح . فهي مفاهيم محرفة ترتب عليها كما بينا في الفصل السابق ألوان كثيرة من الشر ، أدت بأوربا في النهاية إلى النفور من ذلك الدين ونبذه والتمرد عليه . ولقد كان التمسك بتلك المفاهيم الخاطئة في عصر أوربا الوسطى هو السبب الرئيسي فيما اتسمت به تلك العصور من الظلام ، لأنها - كما ألمحنا - حولت الدين إلى دين أخروي يهمل الحياة الدنيا ، يمجد الله ولكنه يحقّر الإنسان ، ويكبت دوافعه الفطرية ، ويزين له الرضى بالفقر والظلم والشقاء في الحياة الدنيا طمعا في نعيم الآخرة ، ويرفض الحركة التي تؤدي إلى عمارة الأرض وتنمية الحياة وترقيتها ويحارب العلم وينشر الخرافة والتصورات الخاطئة عن الكون والحياة والإنسان .

وليس العجب أن أوربا ثارت على الدين وكنيسته آخر الأمر ، إنما العجب أنها عاشت في ظله كل تلك القرون التي عاشتها ، غير شاعرة بما يحيطها من الظلام والظلم ، والجهالة والانغلاق ..

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت