بين علم الاجتماع وعلم التاريخ جدار رقيق، وفي الجدار نوافذ يطل منها كل منهما على الآخر ليطلع على ما عنده! فالدارس في علم الاجتماع يحتاج أن يطلع على مسارات التاريخ، ليعرف سير الظواهر الاجتماعية وجودا وعدما، وترابطا وتفككا، وثباتا وتغيرا، ودارس التاريخ يحتاج إلى تفهم الظواهر الاجتماعية من أجل تفسير الأحداث التاريخية وتقويمها (1) .. ولا غنى لأحدهما عن الآخر.
وقد توسعنا - شيئا ما - في الحديث عن بعض الموضوعات التي ينبغي لدارس الاجتماع المسلم أن يركز عليها، ولا نحتاج لمثل ذلك في التاريخ، لأن المكتوب في علم الاجتماع الإسلامي حتى الآن قليل للغاية، بينما توجد كتابات في"التفسير الإسلامي للتاريخ"وإن كانت الفكرة ما تزال غريبة على الكثيرين من دارسي التاريخ!
والمؤرخ المسلم لن يخترع تاريخا جديدا للبشرية. ولكنه على وجه التأكيد سيجد نفسه مختلفا مع المؤرخين الآخرين في الأمرين اللذين أشرنا إليهما آنفا، وهما التفسير والتقويم، وهما في الحقيقة لب دراسة التاريخ. فليس التاريخ مجرد سرد للوقائع التاريخية - وإن كان هذا جزءا أساسيا من عمله - وإنما هو محاولة لربط الأحداث بعضها مع بعض برباط يجعل وجودها وتسلسلها على النحو الذي وقعت به مفهوما عند القارئ - وهذا هو التفسير - ثم يستخرج العبرة المستفادة منها، وهذا هو التقويم.
ومن أجل التفسير والتقويم - اللذين هما لب دراسة التاريخ - فلا بد من الرجوع إلى القضية الرئيسية التي نحتاج إلى الرجوع إليها مع كل علم من العلوم الاجتماعية، وهي قضية"الإنسان": ما هو؟ ما تكوينه؟ ما حدود طاقاته؟ ما غاية وجوده؟ ما موقفه من السنن التي تحكم حياته؟ ما موقفه من الضغوط الواقعة عليه من داخل نفسه أو من خارجها؟ ما معيار إنجازاته؟
(1) المقصود بالتقويم هو تقدير القيمة، وكثير من الكتاب يستخدمون كلمة تقييم بدلا من تقويم والصواب التقويم.