وإذا لم نحدد الإجابة الواضحة على هذه الأسئلة فكيف نفسر التاريخ ؟ وكيف نقوّم أحداثه ؟ وماذا يبقى منه إلا أحاديث مفككة ، قد تصلح لتزجية الفراغ ، ولكنها لا تصلح للعبرة ولا تحقق الهدف من دراستها ، بينما الله سبحانه وتعالى يوجهنا توجيها واضحا للسياحة التاريخية في الأرض ، واستخراج العبرة من أحداث التاريخ:
( قُلْ سِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَانْظُرُوا كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الَّذِينَ مِنْ قَبْلُ .. ) (1) .
وحين لا نهتدي إلى الإجابة الصحيحة عن هذه الأسئلة ، أو حين تأخذنا أهواؤنا أو ضغط ظروفنا بعيدا عن الصواب في إجابتها ، فسنخرج ولا شك بنتائج غير التي نحن حريصون على أن نصل إليها حين تستقيم تصوراتنا على النهج الصحيح ، وحين نرجع إلى المرجع الصحيح .
وهنا ستقوم نقطة الخلاف الرئيسية بين المؤرخ المسلم وغيره ، أو قل إن شئت بين التفسير الإسلامي والتفاسير الجاهلية للتاريخ .
حين يكون تصورنا للإنسان أنه ذلك الحيوان الدارويني المتطور ، المتأله في ذات الوقت يجعل نفسه هو المرجع فيما يأتي وما يدع من الأعمال ، وعدم الخضوع لمرجع خارجي عنه ، والذي يعيش للدنيا وحدها ، ولا يؤمن بالمعاد ولا يعمل له ، فكيف يكون معيار إنجازاته ؟
سيكون هو معيار الحيوان ، مع إضافة التطور الذي حدث لذلك الحيوان: الغلبة من جهة والاستمتاع من جهة أخرى ، باستخدام العقل المفكر ، والأدوات والآلات التي يخترعها ذلك العقل .. ولا زيادة .
وبهذا المعيار المنحرف يكتب المؤرخ الغربي عن"عظمة"الإمبراطورية الرومانية ، وغيرها من الإمبراطوريات ..
(1) سورة الروم [ 42 ] .