فعلى أي أسس قامت الإمبراطورية الرومانية ؟ على أسس الجبروت الغاشم ، والقوة الحربية القاهرة ، التي تخضع الآخرين لسلطانها ، وتستعبدهم لخدمتها .. فهل هذا معيار"إنساني"؟ أم إنه قانون الغاب .. القوي يأكل الضعيف ، أو يزيحه من الطريق ؟ مع عمل الاعتبار بطبيعة الحال للفارق بين الحيوان الأصلي والحيوان المتطور: أن الأول يستخدم عضلاته وحدها في صراع البقاء ، أما الثاني فيستخدم عقله وأداوته ، فتكون وسيلته في استعباد الآخرين وقهرهم هي القوة الحربية ، والقوة السياسية ، والقوة العلمية ، والبراعة في استخدام الأدوات.. ولكن الهدف هو ذاته ، الذي يصارع من أجله الحيوان !
وقراءة التاريخ على هذا النحو تفسد كل عبرة التاريخ .
إن المؤرخ المسلم لن يغفل - ولا يجوز له أن يغفل - أن الرومان كانوا بارعين في الحرب ، بارعين في السياسة ، بارعين في التنظيم ، عباقرة في العمارة المادية للأرض . في إنشاء المدن وتزويدها بالماء وتزيين مبانيها ، وإنشاء الطرق وصيانتها ، بارعين في فنون كثيرة أخرى .. ولكنه بحكم تصوره"للإنسان"وغاية وجوده ، سيركز تركيزا شديدا على"القيم"المفقودة في الإمبراطورية الرومانية - وغيرها من إمبراطوريات التاريخ - التي على رأسها الإيمان بالله واليوم الآخر ، وعمادها القيم الأخلاقية الثابتة التي يجب أن تحكم حياة الإنسان .
وبماذا يخرج المؤرخ المسلم في النهاية حين يركز على هذه القيم وفي الوقت ذاته لا يغفل كل الإنجازات المادية ، وكل النجاحات الأرضية التي وقعت للإمبراطورية الرومانية أو غيرها من الإمبراطوريات ؟
يخرج بأنها حضارة جاهلية .. وما أكثر الحضارات الجاهلية في التاريخ !
حضارة من ناحية العمارة المادية للأرض ، وجاهلية بالمعنى القرآني .. الجهل بحقيقة الألوهية ، واتباع غير ما أنزل الله (1) .
(1) راجع تفسير مصطلح الجاهلية عن ابن تيمية رحمه الله في كتاب"اقتضاء الصراط المستقيم"ص 78 - 79 .