الصفحة 13 من 169

فهذا المخلوق تحتفل به السماوات والأرض. ويتولى الله سبحانه بنفسه إعلان مقدمه على الملأ الأعلى، والملائكة يفزعون للنبأ ويهتزون. ويراجعون ربهم، ويطلبون مزيدًا من المعرفة عن حكمة خلق الإنسان واستخلافه، وهم الذين لا يراجعونه في أمر قط:"لَا يَعْصُونَ اللَّهَ مَا أَمَرَهُمْ وَيَفْعَلُونَ مَا يُؤْمَرُونَ" [1] ثم يسجد الملائكة لمعجزة خلق الإنسان، زيادة في إبراز أهميته، وتوكيدًا لتفرد هذه المعجزة بين المعجزات.

كل ذلك يعطي إيحاء بتفرد الإنسان.

ثم تبين الآيات -هنا وفي أماكن أخرى من القرآن- أن دور هذا الإنسان في الأرض هو عمارتها. فالخلافة عن الله فيها معناها الإنشاء والابتكار والتعمير والتبديل والتغيير. وكلها من عمل الله، الذي أعطى قبسة منه للخليفة الذي استخلفه فيها، وزوده كذلك بالإمكانيات.

والإمكانية الكبرى هي المعرفة .. هي العلم .."وَعَلَّمَ آدَمَ ..."

وهي إحدى المزايا التي يتفرد بها الإنسان. يتفرد بها حتى على الملائكة. فهو يقوم بدور في المعرفة والعلم يعجز عنه الملائكة، ويكون بمثابة"شهادة الاستحقاق"التي يمنحها الله للإنسان. فيقرّ بها الملائكة ويسجدون لله المبدع القدير.

ولكن الطاقات الضخمة الممنوحة للإنسان .. ومن أبرزها طاقة المعرفة التي يسخر الله له بها السماوات والأرض:"وَسَخَّرَ لَكُم مَّا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ جَمِيعًا مِّنْهُ" [2] .. لا تمنعه من نقطة ضعف أصيلة في كيانه هي حبه للشهوات:"زُيِّنَ لِلنَّاسِ حُبُّ الشَّهَوَاتِ مِنَ النِّسَاء وَالْبَنِينَ وَالْقَنَاطِيرِ الْمُقَنطَرَةِ مِنَ الذَّهَبِ وَالْفِضَّةِ وَالْخَيْلِ الْمُسَوَّمَةِ وَالأَنْعَامِ وَالْحَرْثِ ذَلِكَ مَتَاعُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا" [3] . إن"الشجرة"التي نُهي عنها أصبحت شهوة بالنسبة إليه. ولا يعنينا هنا -بصدد الدراسة النفسية- أن ندخل في أي تفصيل عن هذه الشجرة: ما هي؟ وما المقصود بها؟ وأين مكانها .. الخ. إنما يعنينا فقط أنها كانت تجربة لإرادته الضابطة -وهي من بين الطاقات الممنوحة له- هل تستطيع أن تمتنع على"الشهوة"أم لا تستطيع. وفي هذه التجربة تبدو نقطة الضعف في كيان هذا الإنسان المتفرد! فهو لا يصمد في كل حالة، ولا تقوى إرادته الضابطة على المقاومة:"وَلَقَدْ عَهِدْنَا إِلَى آدَمَ مِن قَبْلُ فَنَسِيَ وَلَمْ نَجِدْ لَهُ عَزْمًا" [4] .

ولكنه ليس ضعفًا أبديا. ولا هي زلة لا قيام منها.

فهو يملك دائمًا أن يفيق من زلته. بأن يرفع وجهه إلى خالقه:"فَتَلَقَّى آدَمُ مِن رَّبِّهِ كَلِمَاتٍ فَتَابَ عَلَيْهِ".

وتلك قيمة رئيسية من قيم حياته. فهو عرضة للضعف أمام الشهوات.

ولكنه كذلك مزود بالقدرة على الإفاقة من هذا الضعف بالتوجه إلى الله. وفي صميم فطرته أن يفعل هذه وتلك:"وَنَفْسٍ وَمَا سَوَّاهَا، فَأَلْهَمَهَا فُجُورَهَا وَتَقْوَاهَا، قَدْ أَفْلَحَ مَن زَكَّاهَا، وَقَدْ خَابَ مَن دَسَّاهَا" [5] .

ثم هو مزود بالقدرة على الصراع:"قُلْنَا اهْبِطُوا بَعْضُكُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌّ".

وما دام هناك عداء، فهنا ولا شك صراع وقدرة على الصراع.

(1) سورة التحريم [6] .

(2) سورة الجاثية [13] .

(3) سورة آل عمران [14] .

(4) سورة طه [115] .

(5) سورة الشمس [7 - 10] .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت