الصفحة 14 من 169

والعداء مع الشيطان. مع قوى الشر المتمثلة في شتى الصور والأشكال. ولكن الذي يعنينا هنا -مؤقتًا- ونحن نستعرض طاقات الإنسان، أن نثبت له هذه القدرة على الصراع. وأنها قيمة كذلك أساسية من قيم حياته، ضرورية له في أداء دوره على الأرض:"وَلَوْلاَ دَفْعُ اللّهِ النَّاسَ بَعْضَهُمْ بِبَعْضٍ لَّفَسَدَتِ الأَرْضُ وَلَكِنَّ اللّهَ ذُو فَضْلٍ عَلَى الْعَالَمِينَ" [1] .

ثم إن له في الأرض قسطًا من الاستقرار والمتاع:"وَلَكُمْ فِي الأَرْضِ مُسْتَقَرٌّ وَمَتَاعٌ إِلَى حِينٍ".

فالاستقرار المؤقت والمتاع قيمتان رئيسيتان في حياة الإنسان. مزود بهما كيانه، كما هو مزود من الجانب الآخر بالقدرة على الصراع.

وفي النهاية فإنه يقوم بدوره في الخلافة عن الله في الأرض مزودًا من الله الذي أخلفه، بدستور من الهدي الرباني:"فَإِمَّا يَاتِيَنَّكُم مِّنِّي هُدًى فَمَن تَبِعَ هُدَايَ فَلاَ خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلاَ هُمْ يَحْزَنُونَ". وفي فطرته أن يستطيع التوجه إلى الله، والاستمداد من هداه. كما أن في فطرته أن يستطيع الابتعاد عن الله والكفر بآياته:"وَالَّذِينَ كَفَروا وَكَذَّبُوا بِآيَاتِنَا أُولَئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ".

تلك هي الخطوط العريضة"للإنسان".

فالآن نستطيع أن نأخذ فكرة عامة عن هذا المخلوق:

إنه مخلوق متفرد. فكل تفسير له يلحقه بغيره من الكائنات تفسير باطل من أساسه. سواء في ذلك من يفسره بالتفسير الحيواني أو التفسير الميكانيكي. أو يفسره بالتفسير الملائكي أو النوراني. أو غيرهما من التفاسير.

وهو مخلوق خطير الشأن في دورة الحياة. أولى آيات خطره أن الله بنفسه سبحانه هو الذي يعلن نبأ مولده. ومن آيات هذا الخطر أن تسجد لخلقه الملائكة. وأن يسخر الله له السماوات والأرض جميعا. وأن يجعل الله إرادته العليا سبحانه مقتضية عن طريق إرادة الإنسان ووجوده وأفعاله:"إِنَّ اللّهَ لاَ يُغَيِّرُ مَا بِقَوْمٍ حَتَّى يُغَيِّرُوا مَا بِأَنْفُسِهِمْ [2] "."وَلَوْلاَ دَفْعُ اللّهِ النَّاسَ بَعْضَهُمْ بِبَعْضٍ لَّفَسَدَتِ الأَرْضُ [3] "."ظَهَرَ الْفَسَادُ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ بِمَا كَسَبَت أَيْدِي النَّاسِ [4] ".

وهو مخلوق مزود بطاقات. من أبرزها طاقة المعرفة. وطاقة الإرادة الضابطة. وطاقة القوة الفاعلة المتضمنة في معنى الخلافة ومقتضياتها. وطاقة الصراع. والقدرة على التوجه إلى الله وتلقي كلماته وتتبع هداه .. والقدرة كذلك على الاستقرار والمتاع.

وهو مخلوق مشتمل على نقطة ضعف. هي حب الشهوات. ونسيان العهد ونسيان الهدى والكفر بآيات الله.

وهو مخلوق ذو طبيعة مزدوجة. فيه القدرة على الارتفاع إلى أقصى المدى، والقدرة على الهبوط إلى الحضيض.

من هذه الفكرة العامة نستطيع أن نبدأ في دراسة الإنسان ..

ولكنا قبل أن نبدأ بالدراسة يحسن أن نلم ببعض ما يقوله"العلم"في باب تفرد الإنسان، لأنه ذو دلالة واضحة فيما نحن بصدده من هذا البحث.

يقول جوليان هكسلي في كتابه"الإنسان في العالم الحديث Man in the Modern World"في فصل بعنوان"تفرد الإنسان":

"لقد تأرجح رأي الإنسان كالخطّار (البندول) فيما يتعلق بمركزه بالنسبة لبقية الحيوانات، بين إعجابه الشديد أو القليل بنفسه. تفصل بينه وبين الحيوانات حينًا هوة سحيقة جدًا، وحينًا آخر هوة صغيرة جدًا .."

(1) سورة البقرة [251] .

(2) سورة الرعد [11] .

(3) سورة البقرة [251] .

(4) سورة الروم [41] .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت