الصفحة 15 من 169

"وبظهور نظرية دارون بدأ الخطّار يتأرجح عكسيًا، واعتبر الإنسان حيوانًا مرة أخرى، ولكن على ضوء العلم لا على الإحساس الساذج. وفي بادئ الأمر لم تتبين تمامًا نتائج هذا الرأي الجديد .. إلا أن الخطّار وصل شيئًا فشيئًا إلى أقصى مدى تأرجحه، وظهر ما بدا أنه النتائج المنطقية لفروض دارون. فالإنسان (أي في رأي دارون) حيوان كغيره. ولذلك فإن آراءه في معنى الحياة الإنسانية، والمثل العليا الإنسانية، لا تستحق بالنسبة لباقي الكائنات تقديرًا أكثر من آراء الدودة الشريطية أو بكتيريا الباشلس، والبقاء هو المقياس الوحيد للنجاح التطوري. ولذلك فكل الكائنات الحية الموجودة متساوية القيمة. وليس فكرة التقدم إلا فكرة إنسانية. ومن المسلم به أن الإنسان في الوقت الحاضر سيد المخلوقات. ولكن قد تحل محله النملة أو الفأر .."

"ولم تصغر الهوة هنا بين الإنسان والحيوان نتيجة المبالغة في إعطاء الحيوان صفات إنسانية، وإنما نتيجة التقليل من الصفات الإنسانية في الإنسان."

ومع ذلك فقد ظهر منذ عهد قريب اتجاه جديد سببه في الغالب زيادة المعرفة واتساع نطاق التحليل العلمي.

"إن الخطار يتأرجح ثانية، وتتسع الهوة بين الإنسان والحيوان مرة أخرى. وبعد نظرية دارون لم يعد الإنسان مستطيعًا تجنب اعتبار نفسه حيوانًا ولكنه بدأ يرى نفسه حيوانًا غريبًا جدًا. وفي حالات كثيرة لا مثيل له. ولا يزال تحليل تفرد الإنسان من الناحية البيولوجية غير تام."

"وأولى خواص الإنسان الفذة وأعظمها وضوحًا، قدرته على التفكير التصويري، وإذا كانت تفضل استخدام عبارات موضوعية، فقل: استخدامه الكلام الواضح .."

"ولقد كان لهذه الخاصية الأساسية في الإنسان نتائج كثيرة، وكان أهمها نمو التقاليد المتزايدة .."

"ومن أهم نتائج تزايد التقاليد -أو إذا شئت- من أهم مظاهره الحقيقية ما يقوم به الإنسان من تحسين فيما لديه من عدد وآلات .."

"وإن التقاليد والعُدد لهي الخواص التي هيأت للإنسان مركز السيادة بين الكائنات الحية. وهذه السيادة البيولوجية في الوقت الحاضر خاصية أخرى من خواص الإنسان الفذة .. ولم يتكاثر الإنسان فحسب، بل تطور، ومد نفوه، وزاد من تنوع سبله في الحياة."

"وهكذا يضع علم الحياة الإنسان في مركز مماثل لما أنعم به عليه كسيد المخلوقات، كما تقول الأديان. ومع ذلك هناك فروق، وفروق هامة بعض الشيء، بالنسبة لنظريتنا العامة. فمن وجهة النظر البيولوجية لم تخلق الحيوانات الأخرى لخدمة الإنسان، ولكن الإنسان تطور بصورة مكنته من التخلص من بعض الأنواع المنافسة، ومن استعباد أنواع أخرى بالاستئناس، ومن تعديل الأحوال الطبيعية والبيولوجية في معظم أجزاء اليابس من الكرة الأرضية. ولم تكن وجهة النظر الدينية صحيحة في تفاصيلها أو في كثير مما تضمنته. ولكن كان لها أساس جيولوجي متين [1] ."

"ولقد أدى الكلام والتقاليد والعُدد إلى كثير من خواص الإنسان الأخرى، التي لا مثيل لها بين المخلوقات الأخرى. ومعظمها واضح معروف. ولذلك أرى عدم التعرض لها حتى أنتهي من التحدث عن الخواص غير المعروفة كثيرًا، لأن الجنس البشري -كنوع- فريد في صفاته البيولوجية الخالصة. ولم تلق تلك الصفات من العناية ما تستحق، سواء من وجهة نظر علم الحيوان، أو من وجهة نظر علم الاجتماع."

(1) جوليان هكسلي عالم ملحد، لا يقر بوجود الله! وهو يرى الحق أمامه ويكاد يسلم به، ولكن تأخذه العزة بالإثم فيحاول التكوص عما يفرضه الحق الواضح المبين. ولكن يكفي على أي حال أن يقر بأن وجهة النظر الدينية لها أساس جيولوجي متين! فما ينتظر من رجل ملحد أن يذهب إلى أبعد من هذا المدى في الاعتراف بحقائق الدين!

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت